مرّة أخرى يتجدّد اللّقاءُ، ويعود صالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته التّاسعةِ بعد العشرين، بنفَسٍ متجدّد، وبشعار مختلف ككل مرّة، وبرغبة دائمة في تحقيق الطبعة الأفضل دائما، فهو الحدثُ الثقافيُّ الأبرزُ في جزائرنا الحبيبة، الحدثُ الأبرز لأنّه يجمعُ أهل الكتاب من كلّ بقاع الدّنيا: ناشرينَ، مبدعين، مفكّرين، وباحثين ومهتمّين، وقرّاء..الحدثُ الأبرزُ لأنّه فاتحة الموسم الثقافي والأدبي بامتياز في شمال إفريقيا..الحدثُ الأبرزُ لأنّه ينصّبُ تمثالا للكتاب في قلوب أهل الكتاب والشّغوفين به..الحدثُ الأبرز لأنّه يترجمُ إصرار الدولة الجزائرية على الرّقي بالوعي الثقافي والاجتماعي، والسموّ الحضاري، والتأصيل المستمرّ لفكرة الكتاب وعلاقته في التعريف بثقافات الشعوب، كلّ الشعوب الحالمة بغد أفضل، بالحرية والرّفاه المعرفي.
لقد كان الكتاب دائما، ولايزال المصدر الأول للمعرفة رغم كلّ التحولات التي عرفتها البشريّةُ، منذ الألواح الطينية القديمة، إلى الشاشات الرقمية الحديثة، حيثُ حمَّلتهُ البشرية إرثها الأول وتاريخها، أسئلتها وقلقَها، همومَها واهتماماتِها، ذاكرتها وتجاربها، أحلامها وطموحاتِها..لذلك كلّه يبقى -وسيبقى- الاحتفاءُ بالكتاب عيدا متواصلا، وموعدا متجددا، وفرصة للقاء الأفكار والثقافات، وتبادل كل ما هو جديد في الإبداع والمعرفة والفنون.
إننا- في هذه الطبعة الجديدة- مُصرّون كلّ الإصرار على تقديم الأفضل من بعد نشاطات عديدة سبقتهُ من بينها تنظيم المهرجان الوطني للكتاب المقروء – من 26 سبتمبر إلى 5 أكتوبر- والذي شمل جميع ولايات الوطن، وكان له صدى كبير عند عموم المهتمين بالشأن الثقافي، خاصة محبي الكتاب، القرّاء، فقد فتح نافذة أوسع، عبر منصة “كتبنا” الخاصة بتبادل الكتب التي أطلقناها ..فكانت بمثابة نقطة انطلاق موسم ثقافي سبقت صالون الجزائر الدولي للكتاب بقليل، تجسيدا لاستمرارا وتواصل مشاريعنا المخصّصة للكتاب، طباعةً، ونشرا، وتوزيعا، وتشجيعا للمقروئية، من خلال أندية القراءة في مختلف مناطق الوطن، أو عبر منتديات الكتاب التي تنظمها المكتبات الولائية، تنويها بالإصدارات الجديدة، وتقديما لها. يحدونا في ذلك عزمٌ على جعل الكتاب حاضرا بقوة في يوميات الجزائريين، وتشجيع الشباب على القراءة والعناية بالكتاب.
إنّ هذا الحدث الاستثنائي الجميل في حينه وزمانه يتوّج كلّ هذه المبادرات، بلْ ويقدّمها بشكلها اللاّئق بنشاطاته وبرامجه المرافقة، إدراكا منّا بأهميّة هذا الموعد لدى الجزائريين والجزائريات الذين كانوا يعدّون العدّة انتظارا للموعد المنشود حتى يكون وجهتهم ككلّ مرّة، فيصنعون الاستثناء ويقدّمون الصّورة المثلى لشعب لا يزال يحتفظ بشغف الكتاب، وشغف الثقافة.
إنّ الشعار الذي تمّ اختيارهُ لهذه الطبعة “الغد بين دفتَي كتاب”، يفتح آفاقنا على الغد الأجمل، الغد الذي يجعل من الكتاب فكرة ً لاتنتهي من المجيء والقدوم، الغد المُشْرع على المستقبل، وعلى الممكن والمحتمل، بالنظر إلى التحولات التي تحدث في كل لحظة، لأننا -ببساطة-لا نعرف الشكل الذي سيكون عليه هذا الكتاب، ولامحمولاته..فالغد الذي لا يكون نابعا من الكتاب، ومرتكزا عليه، لا يعوَّل عليه… لهذا نرحب بالانفتاح على كل التصورات الجديدة لعالم الكتاب، بكل أنواعه.
إنّه ليسعدنا فخرا هذه المرّة أن تكون “المملكة العربية السعودية” ضيف شرف هذه الطبعة، نظرا لمكانتها المختلفة في قلوبنا، راعية الحرمين الشريفين، ومهبط الرسالة المحمدية، والقطب الثقافي الإسلامي الأسمى على الإطلاق.. ونظرا للعلاقات الطيبة البلدين على الدّوام.. تحت الرعاية الكريمة للرئيس عبد المجيد تبون، والملك سلمان بن عبد العزيز.. المملكة العربية السعودية التي كانت وستبقى مركزا ثقافيا حيويا بأعلامها وكتّابها وأدبائها ومفكّريها، ورصيدها الحضاري العريق.
إن صالون الجزائر الدولي للكتاب، لم يعد مجرد فضاء لعرض الكتب، وبيعها، وتداولها، ولقاء الناشرين فَحسْب، ولكنه تقليد ثقافي راسخ، يكسب في كل سنة نقاطا جديدة، ومساحة أكبر، وتأثيرا أوسع، باستقطاب الناشرين والشخصيات الثقافية المرموقة من كلّ جهات العالم، بما يقدّمه من نشاطات ثقافية واحْتفائياتٍ تختلف عن كلّ المواعيد الثقافية الأخرى ثراء، تنوّعا، حضورا..وبما تثيره من أسئلة ثقافية قلقة تؤثّثُ للراهن، وتؤسّس للمستقبل في ظلّ الرهانات التي تواجهنا شعبا ودولة.

