محافظ صالون الجزائر الدولي للكتاب محمد إڨرب: ستُحطَّم جميع الأرقام القياسية خلال هذه الطبعة

يتحدّث محافظ صالون الجزائر الدولي للكتاب، محمد إڨرب، عن الطموحات الكبرى لهذا الموعد الثقافي البارز، الذي يُرتقب أن يشهد تحطيم أرقام قياسية، بمشاركة 1567 دار نشر من 51 بلدًا، وبرمجة تقارب ألف نشاط. كما يتناول مستجدات الطبعة التاسعة والعشرين، وأبرز محاور برنامجها، والقضايا المرتبطة بالذاكرة ونقلها والحوار الثقافي التي تشكّل خيطًا ناظمًا لفعالياتها.

يُرتقب أن تكون طبعة 2026 من صالون الجزائر الدولي للكتاب طبعة قياسية، بالنظر إلى المشاركة الواسعة، ومضاعفة مساحة العرض تقريبًا، والبرنامج المكثف. ما أبرز الأرقام التي تميّزها؟

بدايةً، لا بد من التذكير بأنّ صالون الجزائر الدولي للكتاب، باعتباره تظاهرة شعبية من الطراز الأوّل، يُعدّ من أهم الفعاليات الثقافية في الجزائر والعالم. فهو موعد ثقافي لا غنى عنه، ينافس باستمرار أكبر معارض الكتاب في العالم، من حيث عدد الزوّار ومساحة العرض وعدد الناشرين وغيرها من المعايير. وبالفعل، ستُحطَّم جميع الأرقام القياسية خلال هذه الطبعة.

لقد أتاح استغلال الجناح الجديد “فلسطين” للمرة الأولى توسيع مساحات العرض بشكل كبير، لترتفع المساحة الإجمالية للصالون إلى 45500 متر مربع، مقابل 23 ألف متر مربع في الطبعة السابقة. ويسمح هذا التوسّع باستقبال نحو 300 ألف عنوان في مختلف المجالات، من أدب وتاريخ وفكر وعلوم. كما أتاح تسجيل مشاركة قياسية بلغت 1567 دار نشر تمثل 51 بلدًا. وتعكس هذه الأرقام مجتمعة المكانة التي بات يحتلها الصالون، والثقة التي يحظى بها لدى مهنيي الكتاب والنشر على المستويين الوطني والدولي.

سيحتضن جناح “ڨورارة” فضاء “التاريخ والذاكرة”، المصمّم ليكون تجربة غامرة تعتمد تقنية العرض الإسقاطي التفاعلي”مابينغ” ما القصد من وراء هذا الفضاء؟

سؤال وجيه! وكما تفضّلتم، فقد صُمّم هذا الفضاء ليتيح للزوّار الانغماس في تاريخنا من خلال تقنية العرض الإسقاطي التفاعلي، وهو مخصّص بالكامل للذاكرة والتاريخ. ولا شكّ في أنّه يوفّر فرصة ثمينة لجميع زوّار الصالون لاكتشاف أبرز محطات تاريخنا وأهم الشخصيات التي أسهمت في صناعته. وباعتباره من مستجدات الصالون، يتيح هذا الفضاء إبراز التاريخ العريق لبلادنا، والتعريف بثراء تراثها الممتد عبر القرون.

إلى جانب جائزة “كتابي الأوّل” وجائزة أفضل جناح، تطلقون هذه السنة جائزة أفضل مترجم…

يتعلّق الأمر، بالأحرى، بجائزة الترجمة، التي ستُمنح لأحد أبرز مترجمي الأعمال الأدبية، وهو محمد ساري.

ما الذي وجّه اختيار شعار هذه الطبعة؟

ينبع شعار هذه الطبعة “الغد بين دفّتي كتاب” من قناعة راسخة مفادها أنّ الكتاب أكثر بكثير من مجرّد مصدر للمعرفة؛ فهو فضاء يتشكّل فيه الوعي، ويُتصوَّر فيه المستقبل، وتتبلور من خلاله التحوّلات التي تتطلع إليها المجتمعات. وبين صفحات الكتاب، تنتقل التجارب الإنسانية أيضًا، وتتداخل الأفكار، وتُرسم مسارات الابتكار. وهكذا، تتجاوز القراءة مجرّد اكتساب المعرفة لتصبح مشاركة فاعلة في تصوّر المستقبل وبنائه.

وأودّ أخيرًا أن أقول إنّ هذا الشعار يعبّر عن روح الصالون، الذي نتصوّره جسرًا يربط بين عالم الفرد، أي عالم الكاتب، وعالم الجميع، عالم البشر كافة، بلغة الشعراء.

المملكة العربية السعودية ضيف شرف هذه الطبعة. ما المعايير التي استند إليها اختيارها؟

إنّ مشاركة المملكة العربية السعودية ضيفَ شرف في هذه الطبعة تمنحها أهمية خاصة. ويعكس هذا الاختيار عمق الروابط الأخوية والتاريخية والثقافية التي تجمع بلدينا، اللذين يعملان بإرادة راسخة على تعزيز التبادل والتعاون الثقافي.

ومن هذا المنطلق، يتيح الصالون فرصة متميّزة للاحتفاء بالتراث الأدبي والفكري السعودي، والتعريف بتنوّع تعبيراته الثقافية وإشعاعه الدولي، فضلًا عن إبراز ثراء الإبداع الأدبي في المملكة وحيويته، في ظلّ النشاط المتواصل في مجالات الكتابة والنشر والترجمة.

يبدو الشق الأدبي من البرنامج ثريًا بشكل خاص. ما أبرز الكتّاب والمفكرين والشخصيات المرموقة المنتظر حضورها؟

يتضمّن البرنامج الثقافي لهذه الطبعة، بصفة عامة، 994 نشاط ثقافي وفكري متنوّع، من بينها جلسات بيع الكتب بالإهداء، والأنشطة الموجّهة للأطفال والشباب. كما يشمل 61 لقاءً يجمع 220 كاتب ومفكر قدموا من الجزائر والعالم العربي وإفريقيا وأوروبا والأمريكيتين.

ويوفّر هذا البرنامج فرصة كبيرة لهؤلاء الكتّاب والمفكّرين والمثقّفين من مختلف الآفاق لتبادل الرؤى ومناقشة الأفكار، بما يُثري النقاش الثقافي، ويتيح للجمهور اكتشاف تجارب أدبية جديدة وآفاق غير مسبوقة في مجالات المعرفة والعلوم.

أما بخصوص سؤالكم، فمن المنتظر أن تتميّز هذه الطبعة، على الصعيد الأدبي، بالاحتفاء بالرواية والقصة القصيرة. وسنتناول أهمية الرواية في الحياة اليومية للقرّاء، كما سنسلّط الضوء على القصة القصيرة ومكانتها. وفي رأيي، يعود اختيار هذا الجنس الأدبي إلى كونه لا يزال من الأنواع التي لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام في الدراسات الأدبية.

كما سنتوقف عند كاتب ياسين والذكرى السبعين لصدور روايته الشهيرة “نجمة”. وكما جرت العادة كل سنة، يفتح الصالون أبوابه للباحثين والمثقفين والكتّاب والشعراء، ولكلّ النساء والرجال الذين يسهمون في إشعاع ثقافتنا في الجزائر والعالم، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، ياسمينة خضرا، وواسيني الأعرج، وربيعة جلطي، وأمين الزاوي، وأحمد بن سعادة، وسعيد بوعمامة، وأكلي تاجر، وسعد البازعي، وجاسم سحاية، وغيرهم كثيرون.

كما جرت العادة، يحتل التاريخ والذاكرة مكانة محورية في الصالون. كيف ستُنظَّم النقاشات والتكريمات بمناسبة مئوية تأسيس نجم شمال إفريقيا، وكذلك حول الأمير عبد القادر؟

لا شكّ في أنّ تأسيس نجم شمال إفريقيا سنة 1926 يشكّل محطة بالغة الأهمية لكلّ جزائري، ولحظة تأسيسية في تاريخنا. ولذلك يولي الصالون اهتمامًا خاصًا بهذا الحدث الوطني. وستُحيى مئوية تأسيس نجم شمال إفريقيا من خلال تنظيم محاضرة مهمة ينشّطها مؤرّخون مرموقون وأكاديميون وأصدقاء للجزائر، من بينهم بنجامين ستورا، وكريستيان فيلين، وحسن رمعون، وآخرون.

أما الأمير عبد القادر، مؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة، فقد خُصّص له لقاء رفيع المستوى لتناول الأسس والمؤسسات والشخصيات التي أسهمت في بناء دولته. وسيعود مؤرخون جزائريون وأمريكيون، هم أحمد بويردن، وعابد سلطانة، وجون و. كيزر، وبنجامين براور، إلى دراسة التشكيلة الإقليمية والمؤسساتية لدولة الأمير عبد القادر.

يُسلّط الصالون الضوء أيضًا على الحوار بين الذاكرة والراهن، من خلال لقاءات تتناول إسهام الجزائر في الحضارة الإنسانية، وأوضاع العالم اليوم، ومناهضة الاستعمار، ولا سيما في فلسطين والصحراء الغربية. هل يمكنكم التوقف عند هذا المحور؟

في هذا السياق، أودّ أن أشير إلى برمجة محاضرة مهمة للعودة إلى “نداء الجزائر بشأن الجرائم الاستعمارية في إفريقيا”. ويندرج هذا النداء في إطار جهود الاتحاد الإفريقي من أجل العدالة وجبر الضرر للشعوب الإفريقية، ويُعدّ مرجعًا قانونيًا وذاكريًا على المستوى القاري.

وبعد اعتماده من قبل الاتحاد الإفريقي، الذي أقرّ يوم 30 نوفمبر يومًا إفريقيًا لتكريم الشهداء الأفارقة وضحايا تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي والاستعمار والفصل العنصري، يشكّل نداء الجزائر تقدّمًا ملموسًا في مجال تجريم الاستعمار. وانطلاقًا من مبدأ أنّ الصالون فضاء ظلّ فيه الدفاع عن القضايا العادلة ثابتًا من ثوابته، ستُناقش القضيتان الفلسطينية والصحراوية خلال محاضرات رفيعة المستوى. كما ستُتناول مقاومة أشقائنا الصحراويين والفلسطينيين من منظور أدب المقاومة والنضال.

وإلى جانب المحاور التي ذكرتها، أودّ التأكيد على الأهمية التي نوليها للبعد الحضاري للجزائر، وهو ما ستتناوله محاضرة مهمة تبرز تمسّك الجزائريين الراسخ بتاريخهم العريق، بأرضهم وبوحدتها وسلامتها الترابية.

يحتل فضاء الأطفال مكانة مهمة في برنامج الصالون. كيف يجري تنظيمه؟

كما في كلّ طبعة، خُصّص فضاء مهم للأطفال، يمتد على مساحة تبلغ 850 متر مربع. وقد أُعدّ له برنامج غنيّ ومتنوّع من الأنشطة، يشمل ورشات تربوية، وقراءات، ورسمًا، وألعابًا تعليمية، وبالطبع جلسات لسرد الحكايات.

يشهد الصالون في كل سنة إقبالًا كبيرًا من الزوّار. ما توقّعاتكم بشأن عدد الزوّار هذه السنة؟

ممن البديهي أنّنا نتطلّع إلى تسجيل إقبال قياسي يتجاوز 6 ملايين زائر، وهو العدد الذي سُجّل في الطبعة السابقة. كما نطمح إلى الحفاظ على مكانة صالون الجزائر الدولي للكتاب في صدارة التظاهرات الثقافية الدولية الكبرى، مع الحرص على ضمان تطوّره المستمر، بما يسهم في ترقية مهن الكتاب، والاستجابة لتطلّعات القرّاء والمهنيين، وفتح آفاق جديدة للتعاون وتبادل الخبرات.