هل هناك مقروئية باللغة الأمازيغية في الجزائر وما هي كيفية قياس حجم المقروئية باللغة الأمازيغية أو بالأحرى صيغة تحديد عدد القراء بشكل ملموس على أرض الواقع؟ هي جملة من الأسئلة التي توقفت عندها ندوة واقع المقروئية باللغة الأمازيغية واقع و أفاق” في قاعة الطاسلي، بحضور عدد من المختصين والمهنيّين، حيث تناولت الندوة التي نظمتها المحافظة السامية للأمازيغية، في إطار برنامجها الثقافي المرافق لفعاليات الطبعة السّادسة والعشرين من فعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب، عددا من الأسئلة الرامية إلى تقييم تجربة النشر باللغة الأمازيغية بعد أزيد من عشرين عاما من إدراجها في منظومة التدريس.

واعتبر الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، ” الهاشمي عصاد “، أنّ عقد هذه الندوة يعتبر مناسبة لتقديم حصيلة الإصدارات المنجزة من طرف المحافظة خلال السنوات الأخيرة سانحة للتطرق إلى إشكالية هامة تتناول موضوع المقروئية في الأدب الأمازيغي ودور الترجمة في نشر وتداول الأعمال الأدبية والعلمية باللغة الأمازيغية.”

وأوضح أنّ الندوة مقدمة ومدخل تأثيثي لنشاط كبير تنظمه المحافظة في ولاية أدرار من 24 إلى 28 نوفمبر 2023 وهي فعاليات علمية تكوينية خاصة بحقل البحث في اللغة والثقافة الأمازيغية، وكذلك ورشة عملياتية خاصة بمنهجية تأسيس بنك وطني للأسماء الجغرافية الرسمية تحت شعار: أدرار جذور متحاورة : الإبداع الأدبي والبحث العلمي في خدمة الوحدة الوطنية”.

وفي سياق ذي صلة، أكّد عصّاد أنّ الهوية الوطنية أمام تحديات راهنة على الصعيدين الثقافي واللغوي، وأضاف أنّ الأمازيغية  تعدّ أحد هذه العناصر المهمة لتعزيز التماسك الاجتماعي، حيث تساهم في ترسيخ الانتماء الوطني والثقافي للأمة الجزائرية، في رؤية عميقة تستوجب علينا التأكيد على أنّ الجزائر وحدة متكاملة بكل مكوناتها الهوياتية، ولا تقبل التجزئة”. وقال إنّ هيئته تبذل مجهودات في سبيل ترسيخ هذه الرؤية مما يجعلها رائدة في مجال النشر باللغة الأمازيغية بأكثر من 340 عنوانا، إضافة إلى حضورها في الوسائط الرقمية، وقد توجت هذه الجهود بإطلاق جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية.

واستطرد قائلا: ” إنّ المقروئية باللغة الأمازيغية موجودة، فالنص الأمازيغي له قراؤه ومحبيه ولا يمكن لأحد تجاهل هذا المكسب الذي لم ينطلق من فراغ، بل تحقق بفضل نضالات إيجابية لأجيال متعاقبة، تراكم التجارب وبأنماط تدوين ثلاثية. وأخيرا بفضل وضع الدولة لآليات مؤسساتية دعما و ترقية للغة الأمازيغية في الجزائر، وأنّ ما نجينه وما نلمسه اليوم في الواقع من نتائج ايجابية، هو حصيلة ثلاثة عقود من إدراج اللغة الأمازيغية في الفضاء الجامعي ثم في منظومتي التربية الوطنية والاتصال، وهذا في سياق إنشاء المحافظة السامية للأمازيغية سنة 1995.

وكشف عصاد أنّ المحافظة تستعد لإطلاق استطلاع خاص عن وضعية المقروئية بالأمازيغية في الجزائر تحت إشراف فريق بحث متخصص وهذا ضمن برنامج المحافظة لسنة  2024.

من جهة أخرى، أجمع المحاضرون خلال الندوة التي ترأسها البروفيسور فريد برمضان،  أنّ المقروئية بالأمازيغية موجودة لكنها غير مثمنة وربما لا تظهر بوضوح في الفضاء العام، حيث اعتبر الدكتور محند أكلي صالحي أنّ تقييم المقروئية بالأمازيغية عبر الأرقام لن يجدي نفعا لأنّ أيّ تقييم لا يأخذ المعطيات السوسيو ثقافية والسياسية والمؤسساتية في الحسبان، لن يقود إلى أيّة نتيجة، مشيرا إلى أنّ قياس المقروئية بالأمازيغية، بحاحة إلى عمل مؤسساتي يقوم على تحقيقات ميدانية علمية مفصلة، تمكننا من أخذ نظرة حقيقية عن معطيات الميدان، مؤكدا على وجوب إطلاق بطاقية وطنية وبيبلوغرافيا سنوية لما ينشر بالأمازيغية.

ويعتقد محند آكلي صالحي أنّه يتعين وضع إشكالية المقروئية في سياقها التاريخي الثقافي والمؤسساتي، حيث تنقلت فيه اللغة الأمازيغية من كونها تراث شفوي إلى مكتوب، موضحا أنّ المقروئية بالأمازيغية موجودة، ولكنها غير مثمنة ولا تظهر في الفضاء العام، لوجود خلل و عدم تكافئ فرص في التعامل والتعاطي مع الكتب الصادرة بالأمازيغية، وتلك التي تصدر بالعربية أو الفرنسية.

وأشار البروفيسور برمضان، أنّ استطلاعا وتحقيقا وطنيا أجري حول حضور الكتاب والأدباء الجزائريين في الكتاب المدرسي، كشف أنّ تلك النسبة لا تتجاوز عشرة في المائة بينما 44 في المائة هي أسماء مجهولة، وعلى أساس هذا التحقيق، تمت إعادة النظر في إدراج الأسماء الجزائرية في الكتاب المدرسي من طرف وزارة التربية.

إلى ذلك، توقف الباحث في المركز الوطني للبحث في اللغة والثقافة الامازيغية في بجاية،  إيدير سعدوني، عند دور الطرق البيداغوجية الجديدة في الرفع من نسبة المقروئية وتشجيع القراءة، حيث قدم لمحة عن تجربته كأستاذ عمل على اقتراح مقاربات جديدة للأطفال والتلاميذ لتحبيبهم في القراءة وجلبهم إلى الكتاب، من خلال الطرق التي تقوم على المشاركة والتحفيز النفسي وترك حرية الاختيار للتلميذ في انتقاء كتبه، قائلا إنّ نماذج التعليم خارج الإطار التقليدي قد أعطت أكلها وساهمت في ملامسة روح التلاميذ وجلبهم إلى النصوص الأدبية .

وفي السياق ذاته،  قدمت الدكتورة فغالي ياسمنية، من جامعة البويرة، تجربة نادي القراءة الذي أطلقته وحاولت من خلاله جلب الطلبة إلى القراءة، بمشاركة طلبة السنة الأولى والثانية وطلبة الماستر، حيث عالجت مسألة استقبال النص لدى القارئ وكيف يمكن أن تؤثر هذه الطريقة على تفكير الطالب أو القارئ.

وفي إطار الندوة ذاتها، فضّـل مدير دار الأمل يوسف محند أمزيان، عرض تجربة 15 عاما من النشر بالأمازيغية ” منذ1997، وهي التجربة التي أعطت 300 كتاب بالأمازيغية في مختلف دروب المعرفة، سواء كان شعرا أو رواية أو قصة أو مسرحا وترجمة زيادة على القواميس والموسوعات. وهو المجهود الذي مكن الدار من الفوز مرتين بجائزة آسيا جبار للرواية في صنف الرواية المكتوبة بالأمازيغية وتحقيق خمس جوائز بكندا، إضافة إلى الحضور الدائم لمواضيع منشورات الدار في امتحانات البكالوريا وشهادة التعليم المتوسط، وهذا ما يؤكد أنّ المقروئية باللغة الأمازيغية موجودة وهي في تطور مستمر، حسب تعبيره.

وإثر حديثه عن تجربة النشر والترجمة بالأمازيغية،  قال عبد الرحمان قعودة إنه وانطلاقا من تجربته كناشر ومترجم لمس إقبالا كبيرا لطلبة التاريخ على ما يقدم من ترجمات ومراجع، مؤكدا تعطش جمهور الطلبة والباحثين لهذا الحقل، وإنّ تحدي الترجمة التاريخية بالأمازيغية كبير ومهم يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عديد المتغيرات التي تخص تحكم المترجم ليس فقط في اللغة التي يترجم بها، وإنما أيضا بالخلفية التاريخية للشخصية والجهة التي تنحدر منها تلك الشخصية. ونبّه الدّكتور قعودة لأهمية الاشتغال على ترجمة تاريخ القرون الوسطى لأنه لا يمكن فهم الجزائر الحالية دون إلقاء نظرة فاحصة على تاريخ القرون الوسطى.

وتجدر الإشارة أنّ النّدوة عرفت الوقوف دقيقة صمت ترحما على شهداء غزة ،مع تقديم قراءات شعرية متقاطعة بالعربية والأمازيغية.

Pin It on Pinterest

Shares
Share This