
أبرز الشيف السعودي عبد الصمد الهوساوي، أمس الجمعة، خلال ندوة ثقافية نُظّمت في إطار البرنامج الثقافي للطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، تحت عنوان « المطبخ السعودي الجزائري.. تقاطعات ثقافية على المائدة »، مختلف أوجه التلاقي والتشابه بين ثقافتي الطبخ في المملكة العربية السعودية والجزائر، وما يجمعهما من طقوس وعادات غذائية مشتركة.
في هذا الإطار، سلّط الشيف عبد الصمد الهوساوي الضوء على المطبخ باعتباره مرآة وحاضناً لثقافات الشعوب، مبرزاً الروابط العميقة بين المملكة العربية السعودية والجزائر من خلال ثقافة الطعام وعادات الأكل والضيافة.
وذكر المتحدّث، خلال الندوة التي أدارها الأستاذ محمد مهدي الحمادي، أوجه التشابه والتقاطع بين المطبخين السعودي والجزائري، اللذين يستندان، بالدرجة الأولى، إلى عامل الدين الإسلامي، الذي يشكّل أساساً قوياً للتقارب الثقافي والاجتماعي، بفعل الحج والتجارة منذ القدم. ويضاف إلى ذلك التنوّع الجغرافي والتضاريسي، إذ يشترك البلدان في اتّساع المساحة وتنوّع التضاريس، من جبال وسهول وبحار وصحارٍ، وهو ما ينعكس على تنوّع المحاصيل الزراعية والمنتجات الغذائية التقليدية والمطابخ المحلية، التي تشكّل مواد أساسية في إعداد مختلف الأطباق.
كما أشار المتحدث، الذي يمتلك خبرة طويلة في مجالَي الطبخ والفندقة، إلى أنّ المطبخين يعتمدان أساساً على توظيف الحبوب الكاملة، كالقمح ومشتقاته، والخضروات واللحوم الحمراء، خصوصاً لحوم الإبل والأغنام، فضلاً عن استخدام التمور ومنتجاتها، إلى جانب زيت النخيل، في إعداد أطباق تقليدية متنوّعة، تجمع بين القيمة الغذائية والطابع المحلي.
من جهة أخرى، ذكر أنّ المطبخين السعودي والجزائري يتميّزان بتحضير الأطباق والحلويات الشعبية التقليدية التي تعبّر عن كِرم الضيافة، ويلتقيان في عدد من العادات المرتبطة بالمائدة؛ ففي السعودية تُحضّر أطباق مثل الكبسة والبخاري، بينما تشتهر الجزائر بالكسكس وأطباقها التقليدية المتنوّعة، إلى جانب الحلويات والقصعة المصنوعة من الفخار أو الخشب.
وتتشابه ثقافة الضيافة واستقبال الضيف في الجزائر والمملكة العربية السعودية من حيث خصائص الترحيب وطرقه وتقاليده، ولا سيما تقديم القهوة؛ إذ يُستقبل الضيف في السعودية بالقهوة المحضّرة أساساً من البن والهيل، وقد تضاف إليها نكهات أخرى، مثل الزعفران والقرنفل، حسب المناطق والوصفات المحلية. أما في الجزائر، فتتميّز تقاليد استقبال الضيوف بتقديم الحلويات والشاي الأخضر المنعش بالنعناع البري، فضلاً عن القهوة الجزائرية ذات النكهة المميزة.
كما يتشارك البلدان الشقيقان في ثقافة إكرام الضيف وعاداتها، حيث يُحتفى بالضيف ويُكرم لعدّة أيام، من خلال تقديم « الذبيحة » أو الأطباق التقليدية الشهية، وهي قيمة عريقة مشتركة بين الشعبين، تعكس أصالة العرف الاجتماعي والديني.
من جهة أخرى، أشاد الشيف الهوساوي بالجهود الرسمية التي تبذلها وزارة الثقافة في المملكة العربية السعودية، بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، ووزارة الثقافة والفنون في الجزائر، بقيادة الدكتورة مليكة بن دودة، لحماية الموروث الغذائي وتثمينه، والعمل على تسجيل العديد من الأطباق والعناصر المرتبطة بالتراث الغذائي لدى المنظمات الدولية، على غرار منظمة اليونسكو.
كما أشار المتحدّث إلى أهمية تنظيم المهرجانات السنوية، مثل مهرجانات التمور والأسر المنتجة ومهرجان الكسكس وغيرها، من أجل نقل هذه الثقافات والمهارات التقليدية إلى الأجيال القادمة، وحماية هذا الموروث. وأكد أنه، رغم انتشار الأطباق الحديثة، يظلّ الموروث الغذائي حاملاً طابعاً وجدانياً وعاطفياً عميقاً، يربط الإنسان بأرضه وتاريخه، وهو ما يجعل الأطباق الشعبية حاضرة بقوّة، خصوصاً في المناسبات وشهر رمضان المبارك، الذي يشكّل مناسبة دينية تتقاطع فيها أيضاً عادات وتقاليد المملكة العربية السعودية والجزائر.
ــــــــــــــــــــ
الشيف عبد الصمد الهوساوي:
الأطباق الشعبية التقليدية تحمل طابعاً وجدانياً عميقاً
على هامش البرنامج الثقافي للطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، الذي تحلّ فيه المملكة العربية السعودية ضيفَ شرف، التقت نشرية الصالون الشيف عبد الصمد الهوساوي. وفي هذا الحوار يحدّثنا عن أوجه التقاء المطبخين السعودي والجزائري، وعن مشاركته في هذا الموعد الثقافي، وعن مصير الأطباق الشعبية التقليدية أمام زحف الحداثة، وهي الأطباق التي تظلّ، كما يقول، ذات طابع وجداني وعاطفي عميق يربط الإنسان بأرضه وتاريخه.
ما أوجه التشابه والتقاطعات بين المطبخين السعودي والجزائري؟
يلتقي المطبخان السعودي والجزائري في العديد من الجوانب، وذلك استناداً إلى العوامل المشتركة الاجتماعية والثقافية والدينية والتجارية التي تجمع تاريخياً بين البلدين. وأشير إلى أنّه رغم وجود أوجه التشابه في بعض النقاط، مثل العادات والتقاليد الموروثة (الدينية والاجتماعية)، هناك بعض الاختلافات فقط في التفاصيل الدقيقة، وذلك راجع إلى اختلاف المناطق الجغرافية، حيث تقع المملكة العربية السعودية في قارة آسيا والجزائر في شمال إفريقيا. والأكيد أنّ الطبخ أداة مهمة للتقارب الثقافي بين الشعوب، لأنّه يحمل تراث البلد وثقافته وعاداته وتقاليده.
كيف تقيّمون مشاركتكم في البرنامج الثقافي للطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، والمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف؟
أنا جدّ سعيد بأن تكون المملكة العربية السعودية ضيفَ شرف هذه الطبعة، وهي مناسبة لإبراز مختلف الإبداعات والثراء الثقافي والفني والتراث بالمملكة، ومنها ركن الطبخ الذي تشرف عليه هيئة فنون الطبخ السعودي. وأنا جدّ سعيد بالحضور والمشاركة في هذا الحدث الثقافي البارز في الجزائر، بلد البشائر. وأشير إلى أنّ لديّ تجارب سابقة في المطبخ الجزائري، عبر المشاركة مع جمعية « نسمة » لحماية التراث في تيبازة، ومع أكاديمية « عيدان » في وادي سوف. والأكيد أنّ هذا الصالون يساهم في الترويج الثقافي، وكذلك في التعريف بمختلف الأطباق الشعبية التقليدية للمطبخ السعودي، بالنظر إلى التشابه الكبير بين المطبخين السعودي والجزائري.
ما تأثير الحداثة والعولمة وتغيّر أنماط التغذية على الأطباق الشعبية التقليدية؟
أدّت الحداثة وسرعة الحياة إلى انتشار الوجبات السريعة وتغيّر بعض أنماط الحياة وطقوس الغذاء لدى الجيل الحالي في المجتمع العربي. لكن رغم هذه الظاهرة، يظلّ الموروث الغذائي والأطباق الشعبية، بتنوّعه وثراء نكهاته، يحمل طابعاً وجدانياً وعاطفياً عميقاً يربط الإنسان بأرضه وتاريخه، ما يجعل الأطباق الشعبية حاضرة بقوّة، خصوصاً في المناسبات وشهر رمضان المبارك، لأنّها مناسبة للمّة العائلية والتقاسم.