الباحث أحمد بن سعادة: المثقّف مطالب بتفكيك خطابات التضليل ومواجهة التبعية الثقافية

استعرض الكاتب والمحلّل السياسي أحمد بن سعادة، أمس الأحد، برؤية تحليلية، مكانة المثقف في ظلّ النقاشات المعاصرة، ومسؤوليته في مواجهة التحوّلات السياسية والجيو-سياسية والاجتماعية والثقافية، في سياق حروب التضليل وتعقيدات عصر العولمة الرقمية وهيمنة الخطابات الموجّهة.

وفي مستهل مداخلته، التي ألقاها ضمن منصة خُصّصت له في إطار الطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، تحت عنوان “ما هو دور المثقف اليوم؟”، تطرق بن سعادة إلى مفاهيم تتعلق بالمثقف و”المعلّق البسيط أو الخبير”، مشيرا إلى أنّ هذه الشخصية لا تُعرَف بشهادة أو مهنة، بل بقدرتها على تعبئة المعرفة وممارسة الحكامة والعقلانية، وإبراز المشكلات التي يميل المجتمع إلى تجاهلها ورصدها. وأوضح أنّ على المثقف أن “ينير، وأن يتّخذ موقفا، وأن يتحرّك”، مشدّدا على ضرورة ربط التفكير النقدي بالبحث عن الحلول، لا الاكتفاء بالنقد السلبي.

واستشهد المؤلف والباحث في تحليله لسؤال “أيّ دور للمثقف؟”، بأعمال بيير بورديو، مؤكّدا أنّ شرعية المثقف تقوم على اعتراف مزدوج، يتمثّل في اعتراف أقرانه به في مجال اختصاصه، واعترافه هو نفسه من خلال انخراطه في النقاش العام. كما تطرّق إلى مسألة الاستقلالية في مواجهة مختلف السلطات السياسية والإعلامية والاقتصادية، موضّحا أنّه لا ينبغي للمثقف أن يكون أداة في يد السلطة، ولا معارضا منهجيا لها، بل تتمثّل مهمته في الحفاظ على مسافة نقدية، والفصل بين الحقائق وتأويلاتها، والمساهمة في النقاش العام دون التخلي عن قناعاته.

وخصّص المؤلف جزءا مهما من مداخلته لتفسير مفهوم “المخبر الأهلي”، وما يصطلح عليه بـ”الكتّاب المستعمرين الجدد” أو “النيو-كولونياليين”، الذين، حسب طرحه، ذابوا في ثقافة المستعمر وأصبحوا أبواقا له، على غرار كمال داود وبوعلام صنصال، واضعا إياهما ضمن تأمل يربط بين الاعتراف الإعلامي الغربي والخطاب الهوياتي والإرث الاستعماري. وأشار في السياق نفسه إلى تصريحاتهما بشأن علاقتهما بفرنسا، فضلا عن الأوصاف التي أطلقتها بعض وسائل الإعلام الفرنسية على الكاتبين، معتبرا ذلك آلية للترسيخ الإعلامي والأدبي تقوم على تثمين الخطابات الاستعمارية الناقدة للمجتمعات الأصلية.

في السياق نفسه، أشار بن سعادة إلى أنّ المثقف يعيش اليوم تحديا غير مسبوق، في ظلّ سيطرة شبكات التواصل الاجتماعي والمنظمات غير الحكومية المموّلة خارجيا، التي تسعى إلى توجيه الرأي العام. وأوضح أنّ الدور المطلوب من المثقف يتمثّل في الانتقال من موقع “المتلقي المستهلك للخطاب المهيمن” إلى دور “الفاحص والمفكّك” للحقائق، والدفاع عن القضايا العادلة بوعي واستقلالية فكرية، لأنّ إنقاذ المجتمع يبدأ بوعي نخبوي يرفض التبعية الثقافية ويعيد الاعتبار إلى التفكير النقدي المستقل.

وأكد بن سعادة أنّ المثقّف الحقيقي لا ينبغي أن يتّخذ موقف المتفرّج، بل تقع على عاتقه مسؤولية تفكيك السرديات الغربية المضللة، وكشف آليات “التدخّل الإنساني” المزعوم والحروب النفسية الموجّهة ضدّ الدول النامية، مشدّدا على ضرورة تحلّي النخب الفكرية بالوعي النقدي لحماية المجتمعات من الانزلاق وراء الدعاية الموجّهة، التي تستهدف الهوية والسيادة الوطنية تحت غطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان.

في ختام اللقاء، أشادت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، في كلمتها، بأهمية هذه الندوة وما تطرحه من نقاش حول دور المثقف، مشيرة إلى مسارها الخاص بين الجامعة والمسؤولية السياسية، وإلى تجربتها التي انصبّت على قراءة كتب الفكر السياسي بحثا عن إجابة عن هذا السؤال. كما أكدت ضرورة امتلاك المثقف معارف متعدّدة والإلمام بمختلف التخصّصات، بما يتيح له تجاوز الإطار الضيّق لاختصاصه، مع البقاء مصغيا إلى الواقع وما يطرحه من انشغالات.

كما دعت السيدة بن دودة إلى تعبئة مشتركة للمثقفين من أجل الحفاظ على الخصوصية الثقافية الوطنية والدفاع عن مصالح الوطن، مع صون مكانة الحوار والنقد البنّاء، لافتة إلى أنّه “يجب أن تكون الوجهة واحدة، وهي حماية توجّهات الجزائر وتحقيق أهداف الجزائر والثقافة الجزائرية”.