
أكد الدكتور أحمد عظيمي أنّ الدبلوماسية الجزائرية في عهد أحمد طالب الإبراهيمي استمدّت قوّتها من رصانة مواقفه وعمق ثقافته وثقل الدولة الجزائرية، مشيراً إلى أنّ الراحل اضطلع بمهام دبلوماسية حسّاسة قبل توليه وزارة الشؤون الخارجية، بتكليف من الرئيس الراحل هواري بومدين، لا سيما فيما تعلّق بالقضايا العربية، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية. وذكر أنّ الإبراهيمي تميّز بهدوئه وحكمته وقدرته على محاورة كبار القادة والرؤساء والملوك، مشيداً بدوره في تعزيز الحضور الجزائري قارياً ودولياً، خصوصاً في القضايا الإفريقية والتحررية، ومنها على وجه الخصوص قضية جنوب إفريقيا. كما أبرز تمسّكه بالدفاع عن سيادة الجزائر وكرامتها، معتبراً أنّ تكوينه الموسوعي وإتقانه اللغتين العربية والفرنسية مكّناه من تمثيل بلاده بمكانة رفيعة، وحظي باحترام واسع في المحافل الدولية.
ما الذي ميّز دبلوماسية الراحل الإبراهيمي خلال توليه وزارة الشؤون الخارجية؟
أقول أوّلاً، إنّ أحمد طالب الإبراهيمي مارس الدبلوماسية دون أن يكون وزيراً للخارجية. ففي عهد بومدين، رحمه الله، كان يكلّفه بالعديد من القضايا الحسّاسة والمهمة والجدية، خاصة عندما يتعلّق الأمر بقضايا تمسّ المنطقة العربية.
ولماذا؟ لأنّ أحمد طالب الإبراهيمي ورث علاقات والده الشيخ البشير مع العرب، ولذلك كان بومدين، عندما يرسله في مهمة، يثق به لأنّه كان يعرف أنه سيصل إلى نتيجة. وفي مرحلة أخرى، وتحديداً سنة 1978، وبعد مغادرته وزارة الإعلام والثقافة، عيّنه بومدين وزير دولة ومستشاراً لديه. وفي تلك الفترة، كان مكتبه بجانب مكتب بومدين، الذي كان يكلّفه بالملفات الكبرى المتعلّقة بالسياسة الخارجية، ولا سيما القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية.
وحتى عندما فكّر بومدين في استعمال البترول سلاحاً، أرسله في مهمة لهذا الغرض. وفي إحدى المرات، قال لي أحمد طالب، رحمه الله، شخصياً “أوّل مرة أسمع باستعمال البترول كسلاح”، وذلك عندما استدعاه بومدين وقال له “تسافر إلى المملكة العربية السعودية، وتتحدّث مع ملك السعودية، وكان الملك فيصل، وتقول له إن بومدين يقول لك إنه يجب أن نستعمل البترول سلاحاً”.
كيف أسهم في تعزيز حضور الجزائر ومواقفها على الساحة الدولية، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي شهدتها فترة الثمانينيات؟
أحمد طالب الإبراهيمي رجل سياسي ومثقّف موسوعي، وهو رجل مقنع عندما يتحدّث، لأنه مثقّف ومتمكّن، ويملك ماضياً ثقيلاً واستثنائياً، ومطّلعاً على شؤون المنطقة العربية بأكملها. وحتى عندما يتحدّث باللغة العربية، فإنّه يتكلّمها بطلاقة وبطريقة جميلة جداً، والأمر نفسه عندما يتحدّث باللغة الفرنسية.
وحتى بعد وفاة الرئيس بومدين تَقرَّر أن يبقى إلى جانب الشاذلي بن جديد مستشاراً ووزيراً مستشاراً، ثم عيّنه بعد ذلك وزيراً للخارجية، وهنا نشعر، مع الإبراهيمي، بثقل الجزائر ومكانة دبلوماسيتها، لأنّه مارس العمل الدبلوماسي بحكمة كبيرة وعقلانية، وبما تقتضيه مكانة الجزائر وثقلها وقيمتها. فقد كان يخاطب الرؤساء والحكّام والملوك والوزراء الذين يلتقيهم بمستوى عالٍ جداً، ولذلك كان محل احترام وتقدير من الجميع.
ما هي أبرز ملامح رؤيته للسياسة الخارجية الجزائرية، خصوصاً فيما يتعلّق بالقضايا العربية والإفريقية والتحرّرية؟
من الصفات التي يجب أن تتوفّر في وزير الخارجية أن يكون هادئاً، والإبراهيمي كان هادئاً، وأن يكون مثقّفاً، وهو كان مثقّفاً، وأن تكون وراءه دولة، والإبراهيمي كانت وراءه دولة، هي الجزائر بثقلها ومكانتها.
وفيما يتعلق بالقضايا الإفريقية، كانت قضية جنوب إفريقيا آنذاك من أهم القضايا المطروحة على الساحة الإفريقية، وقد لعبت الجزائر فيها دوراً كبيراً جداً، خاصة في الأمم المتحدة، ومع أوروبا والعالم. وفي الوقت نفسه، كانت هناك مشاكل كبيرة مع فرنسا خلال عهد الراحل هواري بومدين، لأنّ فرنسا كانت تريد الحفاظ على تلك النظرة العدوانية والاحتقارية إلى الجزائر باعتبارها مستعمرة سابقة، وبالتالي، كان مطلوباً من أحمد طالب الإبراهيمي، عندما يمثّل الجزائر، أن يمثّلها بكلّ صفات الرجولة، والرأس المرفوع، والقيمة والمكانة.
وكان، عندما يتحدّث مع الفرنسيين، يخاطبهم بمستوى ثقافي عالٍ. وهنا نستحضر كيف طلب جاك بيرك، وهو شخصية ثقافية كبيرة، من أحمد طالب الإبراهيمي أن يتولى تقديم ترجمته للقرآن الكريم. وهذا ما يبيّن لنا قيمة هذا الرجل ومستواه الكبير، رحمه الله.