جناح الصغار يرسم ملامح قرّاء الغد أطفال “سيلا”.. ضحكات تملأ الأروقة وحكايات تكبر مع الصالون

لا يكتمل مشهد الصالون الدولي للكتاب بالجزائر دون ضحكات الأطفال التي تتردّد أصداؤها في أروقته، وخطواتهم المتسارعة بين الأجنحة، وأيديهم الصغيرة التي تمتد نحو الأغلفة الملوّنة، وكأنّها تلتقط الألوان من رفوف الكتب. وبين حركة الناشرين وهدوء القرّاء، يضفي الصغار على التظاهرة حيوية خاصة، ويمنحون أجواءها دفئاً وبهجة، في مشهد يذكّر بأن علاقة الإنسان بالقراءة تبدأ غالباً بفضول الاكتشاف.

وليس حضور الأطفال في “سيلا” ظاهرة طارئة أو ميزة تقتصر على هذه الطبعة، بل تقليد رافق الصالون منذ دوراته الأولى، إذ اعتادت العائلات الجزائرية اصطحاب أبنائها إلى المعرض كلّ عام، حتى أصبح الصغار جزءاً من صورته وهويته، وصار جناح الطفل محطة أساسية في جولات الزوّار. وفي الطبعة التاسعة والعشرين، يتواصل هذا الحضور، من خلال فضاءات تجمع بين متعة اللعب واكتساب المعرفة، وتستند إلى مقاربات تربوية تسعى إلى تنمية قدرات الطفل وتحفيز فضوله وإبداعه.

ولا تقف الخيارات الموجهة إلى هذه الفئة عند حدود القصص والحكايات المعدّة للقراءة والتسلية، بل تمتد إلى إصدارات تعليمية وتجارب تفاعلية ووسائل مبتكرة ترافق مراحل نمو الطفل، وتفتح أمامه آفاقاً متنوعة للتعلم والاكتشاف. وتكشف جولة بين الأجنحة عن تعدد هذه المبادرات، التي تتوزع بين الألعاب التعليمية، والأنشطة الفنية، والتكنولوجيا، إلى جانب الكتب التي تراعي خصوصيات الطفل النفسية والثقافية.

“المستقبل”.. حيث تبدأ متعة التعلّم

وعلى مقربة من الأجنحة المخصّصة للكتب، يستقطب جناح “المستقبل” الزوّار بشعاره “عالم البازل والوسائل التعليمية.. من هنا تبدأ متعة التعلّم”، مقدماً تشكيلة من ألعاب “البازل” الموجّهة إلى الكبار والصغار، إلى جانب مجموعة من الألعاب التربوية التي تجعل التعلم تجربة قائمة على المشاركة والاكتشاف.

ومن بين هذه المنتجات لعبة “حروفي وكلماتي الأولى”، الموجّهة للأطفال من سن الثالثة إلى السابعة، وهي بازل تعليمي تفاعلي صُمّم لمساعدتهم على التعرف على الحروف العربية الهجائية وتمييزها وترسيخ ترتيبها الصحيح، من خلال أنشطة ممتعة تقوم على اللعب والتركيب، بأسلوب مبسط وآمن ينسجم مع عالم الطفل ويحفزه على التعلم. كما يضم الجناح ألعاباً أخرى تستهدف تثبيت الحروف العربية في ذاكرة الصغار، وتنمية مهاراتهم الحركية الدقيقة، وتعزيز قدراتهم على الملاحظة والتركيب.

ومن بين المعروضات التي لفتت الانتباه أيضاً بازل موجّه للكبار، ضمن سلسلة “بلادي الزينة”، يتكوّن من نحو ألف قطعة، تتشكل عند تركيبها صورة تضم أبرز المعالم الأثرية والسياحية في الجزائر، وتتراوح أسعاره بين 1200 و1600 دينار.

فضاءات تفاعلية تعجّ بالحركة

ولا يقتصر حضور الطفل في الصالون على التجوّل بين رفوف الكتب واختيار ما يستهويه منها، بل يجد أمامه فضاءات تفاعلية تتيح له المشاركة والتجريب وإبراز مواهبه. فقد شهدت المسابقات المخصصة للصغار حول الكتاب إقبالاً واسعاً، من خلال أسئلة وأنشطة تعليمية ممتعة، تناولت موضوعات من بينها التعرف على مكونات الكتاب، في أجواء تفاعلية وتقنية مشوقة استهدفت تشجيع الأطفال وتحفيز روح الاكتشاف لديهم.

كما خُصص فضاء للأطفال الأصغر سناً، وُضعت فيه أدوات ودفاتر للتلوين، بهدف غرس القيم الإيجابية في نفوسهم منذ الصغر، وترغيبهم في عالم الألوان والكتب، وتعزيز صلتهم بما هو مرسوم ومكتوب. وقد لقيت هذه المبادرات تجاوباً كبيراً من الأطفال، الذين أظهروا طاقات إبداعية لافتة، وظفوها في أعمال مفيدة وأنشطة فنية وتنافسية.

في هذا السياق، التقينا إحدى المشرفات على فضاء “تيكنو”، التي أكّدت أنّ الجناح عرف إقبالاً كبيراً من الجمهور، لاسيما الأطفال، بفضل تنوّع الأنشطة المخصّصة لهم، والتي تشمل الرسم والأشغال اليدوية وصناعة الفسيفساء، إلى جانب التلوين على البلاط. وأوضحت أنّ الفضاء برمج، بمناسبة إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة في الفاتح من نوفمبر، أنشطة خاصة تمثلت في إنجاز خرائط للعالم وللجزائر، حظيت بدورها بإقبال جماهيري كبير.

وأضافت المتحدّثة أنّ الإقبال على فضاء “تيكنو” يتزايد من طبعة إلى أخرى، بما يعكس اهتمام الجمهور بهذا الفضاء وما يقدمه من أنشطة. كما أشارت إلى أن احتكاكها بالأطفال أتاح لها الوقوف على حاجتهم إلى فضاء خاص يشعرون فيه بالحرية والراحة، ويجدون ضمنه ما يتناسب مع اهتماماتهم. وأوضحت أنهم كانوا في البداية يتجولون رفقة أوليائهم، وربما يشعرون بشيء من الملل، قبل أن يكتشفوا في هذا الفضاء متنفساً يتيح لهم التعبير والإبداع والاستمتاع بالأنشطة المقدمة.

ولفتت المشرفة إلى أن الإقبال بلغ مستوى كبيراً، حتى إن بعض الأطفال لم يرغبوا في مغادرة الفضاء عند نهاية اليوم، وهو ما يعكس تعلقهم بالأنشطة التي يوفرها لهم.

التكنولوجيا في متناول الصغار

ومن عالم الألعاب والأنشطة الفنية، يجد الأطفال أنفسهم أمام عوالم أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والابتكار، من خلال جناح مؤسسة إيرينوف”، المتخّصصة في الروبوتيك والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، والذي يستقطب الأطفال والشباب والكبار الراغبين في اكتشاف خبايا هذا المجال.

وتعمل المؤسسة على تبسيط العلوم والتكنولوجيات الحديثة للأطفال والشباب، عبر مناهج تعليمية ودروس تدريبية فعّالة، تساعدهم على تعلم المهارات البرمجية والهندسية واكتسابها، بما يؤهلهم للمشاركة بفاعلية في مسارات التنمية والإنتاج. وتقترح “إيرينوف” مجموعة من المنتجات، من بينها حقيبة المنزل الذكي، والطابعة ثلاثية الأبعاد، وحقيبة الذراع الآلي، وحقيبة “الأردوينو”، وغيرها من الوسائل التي تتيح التعرّف على مبادئ التكنولوجيا وتطبيقاتها. وقد عرف ركن المؤسسة، حسب القائمين عليه، إقبالاً من الكبار والصغار على حد سواء.

في المقابل، عبّر عدد من الأولياء عن إعجابهم وارتياحهم لهذه الأنشطة، مؤكدين حرصهم على إبعاد أبنائهم عن الاستخدام المفرط لشاشات الأجهزة الإلكترونية والهواتف، وتوجيه طاقاتهم نحو الألعاب التعليمية والمسابقات الثقافية، التي تتيح لهم استثمار قدراتهم في أنشطة نافعة ومثمرة.

وهكذا، يرسخ جناح الطفل حضوره سنة بعد أخرى بوصفه أحد الفضاءات الحيوية في الصالون، متجاوزاً وظيفة عرض الكتب إلى احتضان مبادرات تربوية وترفيهية تضع الطفل في قلب التجربة الثقافية، وتمنحه فرصاً للتعلم واللعب والتعبير عن مواهبه. وبين رفوف الكتب وأركان الأنشطة والألعاب التعليمية، تتشكل ملامح علاقة مبكرة بالمعرفة، ويكبر الأطفال مع الصالون عاماً بعد عام، تماماً كما تكبر التظاهرة بضحكاتهم وفضولهم، لتعود الأجيال التي تتعلم اليوم الحروف وتكتشف عوالم القراءة غداً قراءً وكتّاباً وصنّاعاً للمعرفة.