
أبرز أكاديميون وباحثون في علوم الفقه والعقيدة والحضارة، أمس الأحد في ندوة فكرية حول “المرجعية الدينية الجزائرية وبناء ثقافة الحوار الحضاري”، في إطار البرنامج الثقافي للطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، عمق وتجذر وأصالة المرجعية الدينية الجزائرية عبر التاريخ وأهميتها اليوم في الحفاظ على هوية وانتماء وروح الشعب الجزائر وانفتاحه في نفس الوقت على العالم.
وكان افتتاح هذه الندوة مع وزير الدولة، عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، الذي أكّد أنّ “الإسلام هو القوة الروحية المحرّرة للوطن والموحدة للأمة”، مضيفا أنّ مشروع نوفمبر “وضّح هوية الدولة الجزائرية بعد استعادة الاستقلال، مع اعتبار الإسلام الإطار الحضاري والمقوم الأساسي للهوية الوطنية”.
وأكّد العميد أنّ هذه “المرجعية كانت عبر القرون والأجيال هي الحصانة الذاتية من كلّ انحراف وزيغ وغلو”، وهو “حالها اليوم أيضا”، مضيفا أنّ “التحدّث عن القيم الدينية الوطنية هو التحدّث عن أصالة الشعب الجزائري المسلم”، وأنّ “القيم الروحية والوطنية هي سرّ تماسك الشعب الجزائري عبر الأجيال، وبقائه موحدا على امتداد التاريخ، لاسيما في أوقات المحن والشدائد”.
من جهته، استهل مدير المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية “دار القرآن”، السيد عبد القادر بن عزوز، هذه الندوة بمداخلة بعنوان “الحواضر العلمية الجزائريّة وإسهامها في حفظ الهوية الدّينيّة والثقافيّة”، استحضر فيها الدور التاريخي للحواضر العلمية في صيانة الهوية الوطنية وحفظ الذاكرة الوطنية، وما قدّمته من إسهام في تعزيز صمود المجتمع الجزائري.
واعتبر السيد بن عزوز أنّ الحواضر العلمية في الجزائر “لم تكن مجرّد أماكن للتعليم وتحصيل المعرفة، بل كانت فضاء متكاملا لإنتاج العلم ونقله وترسيخ القيم والمحافظة على مقومات الانتماء الديني والثقافي”، مؤكّدا أنّ “المساجد والمدارس والزوايا والمكتبات وكذا العلماء والأوقاف أدّوا جميعا أدوارا متكاملة في استمرار الحياة العلمية وانتقال المعارف بين الأجيال”.
بدوره، أبرز عضو المجلس العلمي لجامع الجزائر، السيد مصطفى وينتن، في محاضرة بعنوان “المرجعية الدينية الجزائرية ودور جامع الجزائر في إرسائها”، أن هذه المرجعية تتميز بعدة خصائص، على غرار “أقدميتها” و”أصالتها”، و”منجزاتها العلمية” في تأصيل العلوم الشرعية، وأيضا “الوسطية والاعتدال”، وهو ما يميّز المجتمع الجزائري. واعتبر أنّ المرجعية الجزائرية “ثلاثية المقوّمات”، فـ “في جانبها العقدي، قُرئ الإسلام على عقيدة الإمام الاشعري، وفي جانبها الفقهي قُرئ على فقه الإمام مالك، وأما في جانبها السلوكي والأخلاقي فقد تم الاستناد إلى الإمام الجنيد”.
وعن دور جامع الجزائر في حفظ هذه المرجعية، أبرز السيد وينتن أنّ وظيفته حسب نصوصه المؤسّسة تتلخّص في “مهمة التعليم”، أي “الإنتاج العلمي الموجّه للجزائريين والذي يخرج من مشكاة المرجعية الدينية الوطنية الموحدة”، وكذا “المهمة الاجتماعية والثقافية”.
من ناحيته، سلّط الدكتور حمزة بلقاسم، الأستاذ بقسم الكراسي العلمية بجامع الجزائر، الضوء على “المرجعية الدينية الجزائرية وآفاقها الحضارية”، وما تتيحه من إمكانيات لتعزيز التسامح والتعايش بين الحضارات، معتبرا أنّ التراث الأشعري والمالكي والجنيدي هو ما يعطي المرجعية الدينية الجزائرية “وسطيتها” و”اعتدالها” و”مكانتها الدينية والحضارية”.
وحضر هذه الندوة، التي أشرف على تنظيمها جامع الجزائر، العديد من الشيوخ والأساتذة والأئمة والشخصيات والمسؤولين والباحثين الجامعيين، من بينهم رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، السيد صالح بلعيد، رئيس المجمع الجزائري للغة العربية، السيد شريف مريبعي، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، السيد عبد الحليم قابة، محافظ الصالون، السيد محمد إقرب، وكذا العديد من زوّار الصالون، بمن فيهم طلبة العلوم الشرعية.