
احتضنت قاعة “آسيا جبار” بفعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب ندوة فكرية وتاريخية خُصصت لاستحضار مسيرة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، أحد رموز الفكر والنضال والعمل الدبلوماسي في الجزائر، من خلال شهادات تناولت جوانب من تجربته السياسية والتربوية والثقافية والإنسانية، وسلّطت الضوء على إسهاماته في خدمة الوطن والدفاع عن هويته وذاكرته الوطنية.
وأكّد الدكتور أحمد عظيمي أنّ الجزائر، برحيل أحمد طالب الإبراهيمي سنة 2025، فقدت قامة فكرية وسياسية ودبلوماسية فريدة، مشيراً إلى أنّ الفقيد نشأ في كنف أسرة عريقة تمتدّ جذورها إلى عمق الإصلاح والتاريخ الوطني، وأنه لم يكن مجرّد طبيب أو مناضل تقليدي، بل مثقف استثنائي كرّس حياته لخدمة قضايا وطنه وأمته بإخلاص وتجرد.
واستحضر عظيمي الدور الريادي الذي اضطلع به الإبراهيمي في قطاع التربية والتعليم بعد الاستقلال، حيث عمل على وضع الأسس الصلبة لتعميم التعليم وضمان مقعد دراسي لكلّ طفل جزائري، رغم شحّ الإمكانيات ونقص الهياكل والمعلمين آنذاك، كما ساهم في فتح المدارس والمعاهد حتى في المناطق النائية والجبال. وأبرز أيضاً بصماته في قطاعي الثقافة والإعلام، واهتمامه بتأصيل الهوية الوطنية والدفاع عن الحرف العربي واللغة العربية، ونشر العلم والمعرفة عبر مختلف ربوع الوطن.
كما توقّف المتحدّث عند خصاله الدبلوماسية، لاسيما تكليفه بملفات كبرى وحسّاسة في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، وإدارته وزارة الشؤون الخارجية في مرحلة دقيقة، حيث أسهم في منح الدبلوماسية الجزائرية ثقلاً قارياً ودولياً يعكس مبادئ الثورة التحريرية. وأكّد أنّ تكوينه الرصين وثقافته الواسعة مكّناه من تمثيل الجزائر أحسن تمثيل في المحافل الدولية، مستحضراً مواقف مشرّفة جمعته بكبار الشخصيات الفكرية والثقافية العالمية.
من جهته، اعتبر الكاتب التونسي كمال يونس أنّ تجربة الإبراهيمي تمثّل مشروعاً فكرياً عميقاً انشغل بأسئلة بناء الدولة الجزائرية الحديثة وتحرير الإنسان من رواسب الاستعمار، مستشهداً بكتابه “من تصفية الاستعمار إلى الثورة الثقافية”. وأوضح أنّ اهتمامه في المجال التربوي انصبّ على إعادة بناء الإنسان الجزائري بعد الاستعمار، بينما تمحور انشغاله الثقافي حول استعادة الذاكرة الوطنية وترسيخ الشخصية الجزائرية، في حين ارتبطت رؤيته الدبلوماسية بتجسيد السيادة الوطنية بعيداً عن الارتهان لأيّ قوّة كبرى أو محور خارجي.
وأشار يونس إلى أنّ تكوين الإبراهيمي، المستمد من انتمائه إلى مدرسة والده الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إلى جانب احتكاكه بالفكر الغربي ودراسته الطب في فرنسا، أتاح له الجمع بين روافد ثقافية متعدّدة، وتجسيد معادلة قوامها الانفتاح دون ذوبان، والأصالة دون انغلاق. كما أدرك أنّ الاستعمار لم يكن مجرّد احتلال عسكري وسيطرة سياسية، بل مشروعاً يستهدف الوعي والذاكرة ومقومات الشخصية الوطنية، وهو ما تجلى في تجربته الصحفية باللغة الفرنسية، الموجّهة إلى الشباب المتعلّم لربطه بجذوره الحضارية والثقافية. واعتبر أنّ رؤيته للهوية والتحرّر شكّلت منطلقاً لمشروعه في بناء الدولة والتوفيق بين المرجعية الوطنية ومتطلّبات الدولة العصرية.
أما الكاتب نوفل الميلي، فتناول مؤلفات الراحل وأهمية تدوين التجارب ونقلها إلى الأجيال، مشيراً إلى أنّ قلّة من الشخصيات السياسية وجدت الوقت لتوثيق مساراتها وخبراتها. وركّز على المجلد الأوّل من مذكرات الإبراهيمي “مذكرات جزائري”، مستحضراً سنة 1954، حين سافر إلى القاهرة برفقة والده الشيخ البشير الإبراهيمي، واستقبله الرئيس جمال عبد الناصر، قبل أن تشمل رحلته باكستان وتركيا، ثم يعود إلى الجزائر ومنها إلى فرنسا لمواصلة دراسة الطب، ليصل إلى باريس في الفاتح من نوفمبر 1954. كما أشار إلى كتاباته عن فترة سجنه في فرنسا، التي امتدت أربع سنوات وعدة أشهر، وما وثقته من معاناة وذكريات خلال تلك المرحلة.