مؤتمر الصومام في ذكراه السبعين مؤرّخون يعيدون قراءة الوثيقة ويكشفون جوانب منسية

احتضنت قاعة “آسيا جبار”، أمس الأحد، ضمن البرنامج الثقافي للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، ندوة بعنوان “الذكرى السبعون لمؤتمر الصومام”، نشّطها أربعة باحثين من مدن وجامعات مختلفة، وأدار الجلسة عبد المجيد بوجلة. وقدّم كل متدخل مقاربة مغايرة لمحطة تُعدّ من أبرز مفاصل الثورة التحريرية.

افتتح الجلسة الدكتور سفيان لوصيف من سطيف، فرأى أنّ المؤتمر نقل الثورة من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسّسات. وحسبه، فإنّ غياب الزعيم الواحد كان مصدر قوّة للثورة، لأنّ “الزعامة” أربكت الحركة الوطنية وعطّلت مشروع التحرير سنوات. وأضاف أن المؤتمر نظّم الأوقاف والتعليم القرآني، وخصّص أجرة لمعلّم القرآن، داعيًا إلى تناوله بعيدًا عن ثنائيتي “السياسي والعسكري” و”الداخل والخارج”، فقد سبقه تنسيق دام أشهرًا بين الولايتين الثالثة والثانية. وعقّب مدير الجلسة بالتذكير بأنّ فرنسا حاولت إنهاء الثورة بتصفية قادتها، وهو ما تجسّد في استشهاد بن بولعيد، واعتقال ديدوش وبيطاط، ومقتل العربي بن مهيدي.

ثم تناول الدكتور عثماني ستار من بجاية ما أهمله المؤرّخون. وذكر العرض العسكري الذي أُقيم في اليوم الأخير، بمشاركة جنود جيش التحرير وأكثر من مئة تلميذ جُمعوا من 14 قرية، وانتهى بخطاب لمحمد السعيد هدّد فيه بنقل الثورة إلى فرنسا، وهو ما تحقّق في أوت 1958. وأكّد أن المكان المختار أولًا لم يكن قلعة بني عباس، وأن العثور على وثائق المؤتمر إثر حادثة الزايلة دفع القيادة إلى تغيير الموقع. وقال إنّ عميروش اختار منطقة أوزلاقن، وإنّ المؤتمر انطلق في 18 أوت، لا في 20 أوت كما هو شائع، وتنقّل بين خمس قرى لأسباب أمنية. كما أوضح أنّ وفد الولاية الأولى كان في طريقه إلى المؤتمر، لكنّه وصل متأخّرًا، مطلع سبتمبر.

أما الباحثة والكاتبة صفية كساس، القادمة من بلجيكا، فتحدّثت عن كتابها “مجزرة في القبائل”، الذي ألّفته مع المؤرّخ فابريس ريسيبوتي. ويروي الكتاب مجزرة ارتكبها الجيش الفرنسي في ثلاث قرى بوادي الصومام قبل المؤتمر بأشهر، وسُجّلت في الأرشيف على أنها مجرّد “اشتباك”. وذكرت أن 75 مدنيًا عُذّبوا وقُتلوا، وأنّ النساء جُمعن في مسجد وأُهِنَّ علنًا. واعتبرت أنّ هدف العملية كان تدمير النسيج الاجتماعي وكسر المقاومة، موضّحة أنّ الكتاب قائم على الأرشيف وشهادات نساء تكلّمن لأوّل مرة.

وختم الدكتور أحمد بن داود من تلمسان بوضع المؤتمر في سياقه، فأشار إلى أنّ عدد الجيش الفرنسي ارتفع من نحو 50 ألفًا سنة 1954 إلى 383 ألف نهاية سنة 1955، وأنّ الثورة كانت بحاجة إلى مراجعة. وقال إنّ تأمين المؤتمر تطلّب أكثر من 500 جندي. ثم عدّد الانتقادات الموجّهة إليه، وهي غياب الولاية الأولى والوفد الخارجي، وخلوّ وثيقته من المرجعية العربية الإسلامية، وكون صائغها عمار أوزقان. وفسّر ما واجهته قراراته من مقاومة بأنه أمر طبيعي مع كلّ إصلاح جديد. وخلص إلى أنّ هذه المآخذ لا تُنقِص من قيمة الوثيقة، بل هي “خطوة إلى الأمام” نجحت الثورة في تنزيلها رغم المعارضة.