مئوية “نجم شمال إفريقيا” مؤرخون يستعيدون التأسيس ويستذكرون محمد حربي

احتضنت قاعة المحاضرات “آسيا جبار”، أمس الأحد، ضمن البرنامج المرافق لفعاليات الطبعة التاسعة والعشرين لمعرض الجزائر الدولي للكتاب، ندوة تاريخية تناولت الذكرى المئوية لتأسيس حزب “نجم شمال إفريقيا”، إلى جانب استذكار وجهين تاريخيين بارزين هما المؤرخ والمناضل محمد حربي والراحل عمار محند عمر، بحضور نخبة من المختصين والباحثين، منهم بنيامين ستورا وسميرة لحمر ورشيد خطاب وكريستيان فيلين وحسان رمعون.

وسلّطت الندوة، التي أدارها عبد المجيد بوجلة، الضوء على ظروف نشأة “نجم شمال إفريقيا” سنة 1926 بوصفه المنظّمة المؤسِّسة للتيار الوطني الجزائري الحديث، حيث أوضحت الأكاديمية سميرة لحمر أنّ اختيار باريس مقراً للحزب جاء نتيجة الجوّ الخانق والتضييق الاستعماري داخل الجزائر، ما جسّد فلسفة سياسية مبكّرة تقوم على نقل الصراع إلى أرض الخصم، إلى جانب تبنّي فكر وحدوي جامع بين قضايا التحرّر في منطقة شمال إفريقيا. وهو ما أيّده المؤرخ كريستيان فيلين، حيث ركّز في مداخلته على دور الهجرة العمالية والحركة الشيوعية الدولية في بلورة مطالب المنظمة، مستعرضاً مسار مناضليها الأوائل، وصولاً إلى خطاب مصالي الحاج الشهير في بروكسل عام 1927، وتأسيس حزب الشعب الجزائري لاحقاً.

كما توقّف المشاركون عند مظاهرة 2 أوت 1936 بملعب بلكور، التي نظّمها المؤتمر الإسلامي الجزائري بحضور 15 ألف شخص، واعتبرها كريستيان فيلين محطة مفصلية حوّلت النضال إلى حركة جماهيرية واسعة، وعزّزت تمسّك “نجم شمال إفريقيا” بمطلب الاستقلال التام ورفض مشاريع الاندماج، مثل مشروع بلوم-فيوليت، مؤكّدين على السيادة الوطنية الكاملة.

وتوقّف المشاركون في الندوة عند مسار محمد حربي بوصفه وجهاً واسماً تاريخياً أسهم في توثيق مسار الحركة الوطنية الجزائرية، حيث قدّم بنيامين ستورا شهادة عن مسيرة بحثية مشتركة بينه وبين حربي تجاوزت الخمسين عاماً، مشيداً بطرح حربي العلمي في كتابه التأسيسي “أصول جبهة التحرير الوطني” الصادر سنة 1975، الذي تناول الحركة الوطنية بوصفها ديناميكية حية بعيداً عن القراءات التبسيطية، ومشيراً إلى تعاونهما الأرشيفي ومكابدتهما المنفى معاً في التسعينيات.

من جهته، استعاد حسان رمعون ذكريات لقائه الأوّل بحربي منتصف الستينيات أثناء إدارته مجلة “الثورة الإفريقية”، وأثره في الأجيال الشابة. كما تطرّق المتدخّل إلى تحوّلات الحركة الوطنية عبر أجيالها المتعاقبة، من مرحلة التأسيس الأولى ونشاط المناضلين الأوائل، أمثال عزيز محنّوة ومحند معروف، إلى جيل القومية الثورية وحزب الشعب، ثم جيل جبهة التحرير والمنظمة الخاصة، وجيل حرب التحرير. 

في حين تمحورت مداخلة الباحث رشيد خطاب حول مسار تطوّر الحركة الوطنية وبرنامج حزب الشعب الجزائري بعد العودة من النفي سنة 1936، حيث أشار إلى أنّ برنامج الحزب لم يبقَ نسخة مطابقة لأفكار “نجم شمال إفريقيا” التأسيسية لعام 1927، بل خضع لتعديلات جوهرية فرضتها ظروف العمل الميداني والسياسي داخل الوطن.

وأوضح المتحدّث أنّ الحزب واجه إشكاليات تتعلّق بالتوازن بين المطالبة بالاستقلال التام وبين التوجّهات السياسية والمرحلية الأخرى، مثل طرح فكرة الحكم الذاتي أو التعامل مع التسويات السياسية والتنازلات في مراحل معينة، وصولاً إلى مرحلة ما بعد عام 1945 وتبلور المرتكزات التنظيمية الجديدة للحزب.