مدير “دار القرآن” الأستاذ عبد القادر بن عزوز: الحواضر العلمية صانت الهوية الدينية والثقافية للجزائريين

يعدّ الدين الإسلامي واللغة العربية ركيزتين أساسيتين في تشكيل الهوية الوطنية وصون خصوصيتها الحضارية. ويعود جانب مهم من هذه الاستمرارية إلى الدور الذي اضطلعت به الحواضر العلمية، من مساجد وزوايا وكتاتيب ومدارس، في حفظ القرآن الكريم ونقل العلوم الشرعية وتوارث المعارف والقيم بين الأجيال، فضلًا عن إسهامها في ترسيخ التضامن الاجتماعي والإصلاح بين الناس. وفي هذا الحوار، يتوقف مدير “دار القرآن” عبد القادر بن عزوز، عند العوامل التاريخية التي أسهمت في حماية المرجعية الدينية والثقافية للجزائريين، مستعرضًا وظائف الحواضر العلمية وشبكات التواصل بين علمائها، ودورها في الحفاظ على الذاكرة الجماعية ومقومات الانتماء عبر مختلف المراحل التاريخية.

رغم كلّ الفترات التاريخية التي مرّت على الجزائر، بقي الجزائريون محافظين على دينهم ولغتهم، فما تفسير ذلك؟ 

إنّ الدول التي حكمت أرض الجزائر عبر القرون تبدّلت وبقي القرآن يحفظ في الكتاتيب والعربية تدرس في حلقات المساجد والفقه ينقل بالسند من شيخ إلى تلميذ، وهذا بفضل الحواضر العلمية التي لم تكن مجرد أماكن للتعليم وتحصيل المعرفة بل كانت فضاءات متكاملة لإنتاج العلم ونقله وترسيخ القيم، فضلا على مقومات الانتماء الديني والثقافي.

​لقد أدت المساجد والزوايا والمدارس والمكتبات، إلى جانب العلماء والأوقاف والمجتمع المحلي، أدوارا متكاملة لاستمرار الحياة العلمية وانتقال المعارف بين الأجيال، كما ساهمت جميعها مجتمعة في صيانة الهوية الدينية والثقافية الجزائرية عبر التحولات التاريخية المتتالية.

ما هي العوامل التي ساهمت في استمرارية هذه المرجعية الحضارية للشعب الجزائري عبر التاريخ؟

هناك عدّة عوامل ساهمت في استمرار الهوية الدينية والثقافية، وعلى رأسها “توفّر الاستقرار والأمن”، حيث يعدّ توفّر الاستقرار والأمن من العوامل الممهّدة لازدهار الحواضر العلمية الجزائرية واستمرار وظائفها التعليمية والثقافية، بالإضافة إلى “الرعاية السياسية والاجتماعية للعلماء والمؤسّسات العلمية”، إذ تتجلى أهمية الرعاية في التجربة التاريخية الجزائرية من خلال الاهتمام بالمساجد والزوايا والكتاتيب والأوقاف، وهي مؤسّسات أدّت دورا مهما في نشر العلم وتكريم العلماء، كما في العهدين الزياني والعثماني، كما أدت بدورها الزوايا العلمية ولا سيما في الجنوب الغربي للجزائر وفي شرقه وغربه خلال الفترة الاستعمارية أدوارا اجتماعية وتربوية تتمثّل في تعليم الناس وترسيخ القيم الأخلاقية وتعزيز التكافل والتضامن ومساعدة الفقراء والمحتاجين، فكان لها أثر آخر في الحفاظ على مقوّمات الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، ومن بين هذه العوامل أيضا “التواصل العلمي بين الحواضر”، إذ ارتبطت الحواضر الجزائرية عبر تاريخها ببعضها البعض وبغيرها من حواضر المغرب والمشرق بشبكة من التواصل العلمي قوامها المشايخ والطلبة، فكانت الرحلة في طلب العلم من أهم الوسائل التي مدت جسور الترابط بين هذه الحواضر.

كيف أسهمت هذه الحواضر العلمية في حفظ الهوية الدينية والثقافية للجزائريين؟

إسهام هذه الحواضر العلمية في حفظ الهوية الدينية يتجلى في عدّة أشكال، فالحواضر التي كانت في شرق الجزائر وغربها وفي وسطها كان لها دور كبير مثلا في حفظ العقيدة وترسيخ المرجعية الدينية للمجتمع، ثم إنّ تعليم القرآن الكريم وتعليم أحكام العبادات وتكوين الأئمة والفقهاء كان موجودا في الكتاتيب والزوايا وحلقات المساجد.

​كما كانت هذه الحواضر تقوم بالفصل في المعاملات والمواريث بين أفراد المجتمع، من دون نسيان أيضا دورها في التربية الدينية والتزكية الأخلاقية التي كانت تؤديها هذه المساجد والزوايا وغيرها. ثم إن هذه المؤسسات العلمية من مساجد وزوايا ومدارس وكتاتيب لم تكن فقط أماكن لتحصيل المعرفة، بل تعدّدت أيضا لتصبح فضاءات اجتماعية تنتج القيم وتحفظها وتنقلها إلى الأجيال اللاحقة، من خلال التعليم والتنشئة، وكذا حفظ الذاكرة التاريخية، وترسيخ القيم والتقاليد الاجتماعية، وأيضا التكافل الاجتماعي، فكانت هذه المؤسسات والمساجد والزوايا تأوي طلبة العلم والفقراء والغرباء وأبناء السبيل وتطعمهم وتأويهم.

​كما تميّز حضورها بدورها في الإصلاح بين الناس، إذ كان العلماء وشيوخ الزوايا والأئمة يتدخّلون في فضّ النزاعات بين الأطراف والعشائر والقبائل، وفي تحكيم الصلح، لما لهم من مكانة روحية واحترام اجتماعي، حيث كان الفقهاء يستفتون في المعاملات والأوقاف والمواريث والأعراف، فيحفظ بذلك العرف المحلي ويضبط بميزان الشرع.