ندوة “الأمير عبد القادر: المؤسّسات والقيادات” عبقرية بناء الدولة وقيم المقاومة الإنسانية

توقّفت الندوة الموسومة بـ”الأمير عبد القادر: المؤسسات والقيادات”، التي احتضنتها قاعة “الطاهر وطار” بفعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب، مطوّلاً عند الأبعاد المتعدّدة لشخصية مؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة. وشكّلت الندوة، التي جمعت نخبة من الأكاديميين والمؤرّخين والباحثين من داخل الوطن وخارجه، فرصة لقراءة مسار الأمير عبد القادر الاستثنائي واستعراض محطاته، باعتباره شخصية تحوّلت من رمز وطني للمقاومة ضدّ المستعمر إلى أيقونة إنسانية عالمية، جمعت بين الصرامة العسكرية والحنكة السياسية والدبلوماسية، والعمق الصوفي والفكري والأخلاقي.

وقد أجمع المشاركون على أنّ الأمير عبد القادر يمثّل بحقّ الوجه الحضاري المشرق للجزائر، حيث توقّفوا مطوّلاً عند محطة مبايعة الأمير سنة 1832، واصفين إياها بأنها مثّلت عقداً سياسياً شرعياً ومحطة فارقة في تلك الحقبة التاريخية الحرجة. فالإمارة والمؤسّسات التي أرسى الأمير دعائمها لم تكن وليدة الصدفة، بل عكست حنكته السياسية وامتلاكه تفكيراً استراتيجياً، وهو ما أهّله ليكون رمزاً تاريخياً تجاوزت مكانته الحدود الجغرافية للجزائر وبلغت آفاق العالمية.

وفي مداخلته المعنونة بـ”الأمير عبد القادر بين رمزية الجهاد وأخلاقيات الحرب”، استهل البروفيسور بنيامين براور، من الولايات المتحدة الأمريكية، حديثه باستعراض المسار الاستثنائي للأمير في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، مبرزاً تكامله التكتيكي والفكري بوصفه صوفياً ومسلماً وعالماً ومفكّراً وبطلاً ورمزاً وطنياً ورجل دولة صلباً. وأكّد براور أنّ شهرة الأمير تجاوزت الحدود الوطنية لتبلغ العالمية، مستعرضاً حضوره اللافت في الأدبيات والصحافة الدولية خلال القرن التاسع عشر، حيث عقدت الصحافة الأمريكية مقارنات بينه وبين نابليون بونابرت، وأطلقت عليه تسمية “نابليون العرب”، إذ ركّزت في تلك الحقبة على جانبه القتالي وبراعته العسكرية.

غير أنّ المحاضر أشار، في المقابل، إلى القصور الظاهري لهذه المقارنة، موضّحاً أنّ الأمير لم يكن طامعاً في السلطة أو التوسّع أو بناء إمبراطوريات غازية، بل كان متواضعاً يجسّد حكمة البناء الأخلاقي، مستشهداً برؤية المؤرّخين الجزائريين، وفي مقدمتهم الدكتور بلقاسم سعد الله. كما لفت براور إلى أن الفكر العسكري للأمير ارتكز على المرجعية الإسلامية وقواعد الجهاد القرآنية والنبوية، حيث التزم بمنظومة أخلاقية صارمة سبقت اتفاقيات جنيف الحديثة، تجلّت في الفصل التام بين المدنيين والمقاتلين، وحظر التعذيب والممارسات التي تحط من كرامة المساجين، وتخريب الممتلكات أو الإساءة إلى الأسرى.

بدوره، رفض الباحث أحمد بويردن، في مداخلته الموسومة بـ”الغرائبي والعجائبي في تراث الأمير عبد القادر”، تسمية “نابليون الصحراء” التي أطلقها البعض على الأمير، مؤكّداً أنّه كان مؤسّس دولة ومفكّراً صوفياً استلهم، في مسيرته قائداً مسلماً، النموذج النبوي الشريف. وأبرز الباحث تغلغل اسم الأمير في الذاكرة الأوروبية عبر مقتنيات لافتة، مثل “زهرة عبد القادر”، وهي صنف مهجّن من الورود أطلقه بستاني بلجيكي عام 1846، و”حصان عبد القادر” الفائز بسباقات كبرى في إنجلترا، وصولاً إلى التحف والأدوات الحربية والأختام التي تحمل صورته. كما تطرّق المحاضر، في معرض حديثه عن تراث الأمير، إلى لقاء شارلومار في قلعة أمبواز عام 1848، وإصابة الأخير بالدهشة حين رأى الأمير يطعم الأسرى والخصوم، مجسّداً بذلك مرتبة الرحمة المطلقة.

في السياق نفسه، قال الأستاذ ودان بوغوفالة، من جامعة تيارت، إنّ تجربة الأمير كانت رائدة ومبكّرة في بناء الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي والإسلامي خلال القرن التاسع عشر، بعيداً عن أيّ نزعة شوفينية. وبيّن المحاضر أنّ إمارة الأمير تفرّدت بتأسيس نظام وطني مستقلّ بذاته، قائم على الاختيار الحرّ والمبايعة المباشرة، وشملت هياكل الدولة الحديثة جهازي التنفيذ والقضاء، ومجلس الشورى، والجيش النظامي، إلى جانب توطين الصناعة الحربية.

أما البروفيسور عبد الوهاب بلغراس، فقد توقف مطوّلاً عند الجانب العرفاني لدولة الأمير، مشيراً إلى أنّ العاصمة المتنقلة “الزمالة” انتظمت في شكل حلقات دائرية متراكزة تشترك في مركز واحد، هو خيمة الأمير، مجسّدةً مفهوم الصوفية القائم على “الوحدة في الكثرة”، ومستندةً إلى مفهوم “برزخ البرازخ” بوصفه جسراً جامعاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة والسياسة.

بينما تناول الأستاذ موسى هيصام مقوّمات الأصالة والتجديد في مسيرة الأمير السياسية، مؤكّداً أنّ الأمير جمع ببراعة فائقة بين إدارة شؤون الدولة والبعد الروحي الصوفي، وأوضح أنّ مقاومته واستمراريتها وتنقّلها عبر محطات عدّة ظلّت تمثّل تمهيداً تاريخياً لاندلاع الكفاح المسلّح للشعب الجزائري.