
احتضن فضاء “روح الباناف”، أمس الاحد، ندوة بعنوان “الترجمة: جسور العبور والاكتشاف”، للحديث عن واقع الترجمة بوصفها علماً يربط العلاقات بين الأشخاص والثقافات، بعدما تجاوزت وظيفتها التقليدية بوصفها مجرد ترجمة نصوص.
في هذا الصدد، قسّم المترجم المصري حجاج أبو جبر، خلال تدخّله، الترجمة إلى ثلاثة أركان، وهو مشروع الترجمة الذي اشتغل عليه على مدى العشر سنوات الماضية، كما قال، وتطرّق خلاله إلى الأعمال التي ترجمها، على غرار سلسلة “السيولة” و”الحداثة والهولوكوست”. واعتبر أنّ العنصر الأوّل في الترجمة هو الاختيار المعرفي، وهو من شأن المترجم الأكاديمي الباحث، لا المترجم الوظيفي الذي يترجم تحت الطلب، على حدّ قوله.
فالترجمة، كفعل اختيار، يضيف المتدخّل، هي أن تتّخذ موقفاً يتوافق مع موقف المؤلّف إلى حدّ كبير، مؤكّداً أنّه في تاريخ مصر المتعلّق بالترجمة لم يترجم المترجمون أعمالاً عشوائية. كما يمكن أن تكون للترجمة حمولة فلسفية ودلالات ربما لا توافق الحقل التداولي التراثي للعرب. أما الركن الثاني فيرى أنّ الترجمة فعل ثقافي، حيث اشتغل العرب على مفاهيم الحداثة، وكان طموحهم إنشاء مركز صلب: الدولة القومية والمؤسّسات المستقرة والقانون وغيرها. وأما الركن الثالث فأكد أنّ الترجمة نقطة انطلاق للمستقبل، وكيف نبني على العمل المترجَم، ففي كثير من المرات نطّلع على تاريخ الأمم أو مراحل من تاريخ أمة ما من خلال الترجمة أو الأدب.
أما العراقي بسام البزاز، فأكّد أنّ الدعوة التي وُجّهت إليه دعوة “بطعم العودة”، على حدّ تعبيره، كونه مكث بالجزائر إحدى عشرة سنة، لذا فهو بين أهله وأحبابه وأخواته، كما قال. وأكد كذلك أنّ انطلاقته في علم الترجمة كانت بفضل الجزائر، ولولاها ما ترجم أكثر من ثلاثين عملاً، معظمها في أدب أمريكا اللاتينية.
وفي تعليقه على عنوان الندوة “العبور والاكتشاف”، قال “نحن مثلاً لسنا بحاجة إلى أن نسافر إلى إيطاليا لكي نعرفها، يكفي أن يذهب منا سفير، وليس شرطاً أن يكون سفيراً ببدلة رسمية، يمكن أن يكون سائحاً أو رحّالة، ويمكن أن يكون مترجماً، وهذا الأخير هو أقصى السفارة”، كما عبّر، لأنّه يتميّز عن غيره بالتوثيق، فالمترجم بمثابة الصورة والصوت اللذين يبقيان معنا. فمثلاً بأعمال نجيب محفوظ عرفنا مصر دون أن ننتقل إليها، وبالسينما كذلك، وهذا ما يسمى القوّة الناعمة، على حدّ تعبيره.
واعتبر المتدخّل الترجمة بمثابة العبور إلى ثقافة الآخر، كما تُوظَّف في عملية الاكتشاف بأن نكشف طباع بلد ما وعاداته وتقاليده وتقرّب المسافة بيننا، مؤكّداً أنّنا بحاجة إلى الآخر هو كذلك، فكلّنا نحتاج إلى معرفة أدب الشعوب الأخرى، وهي حاجة متبادلة بيننا كشعوب، معتبراً المترجم مشيّداً وبانياً للجسور.
وفي حين تحدثت يولاندا غواردي من إيطاليا عن الأدب العربي والجزائري الذي تشتغل عليه منذ ثلاثين سنة، على حدّ قولها، وعن ترجمة الأدب العربي بإيطاليا في السنوات الأخيرة وهذه السنة، قالت خلال الندوة إنها غير موافقة على عبارة إنّ الترجمة جسر يربط بين الشعوب، لأنّ فيها، على حدّ تعبيرها، شيئاً من الرومانسية، والترجمة لا تحتاج إلى الرومانسية، فهي أعمال فكرية ونظرية، بل قد تكون الترجمة، على حدّ تعبيرها، أعمالاً سياسية، لأنّها مرتبطة بما نختاره نحن، مترجمين أو دور نشر، للترجمة. لذا ترى أنّ اختيار الترجمة مهم جداً.
أما ضيف الجزائر من تونس “عبد العزيز العيادي”، فركّز، خلال ندوة الترجمة، على خمس نقاط أساسية، منطلقاً في حديثه بسؤال: ما الترجمة؟ أما النقطة الثانية فكانت المترجِم وكيف يترجم، والنقطة الثالثة ركّز فيها على ما عبّر عنه بـ”إتيقا الترجمة”، بالإضافة إلى تطرّقه إلى فكرة ماذا نترجم، ليصل في خلاصة حديثه إلى أهم الرهانات من الترجمة. واعتبر هذه كلّها الأسئلة الأساسية التي يجب أن نناقشها حتى نتفادى ما يمكن أن يخالط هذه العملية مما يحيد بها عن مساراتها الصحيحة، كما قال. وأكد أنّ الشعوب عرفت مسافرين وتجّاراً وجواسيس، وهؤلاء أتوا قبل المترجمين المحترفين، فهم ينقلون الألسنة، كما عبّر. وأكد أنّ الإشكال المطروح اليوم طُرح من قبل في الحضارة العربية والإسلامية، في ضربين وأسلوبين من الترجمة: الترجمة الحرفية، ثم الترجمة المعنوية التي تركّز على المعنى أكثر من الالتزام بحرفية النص.
أما نيك تايلور، من الولايات المتحدة الأمريكية، فتطرّق بإسهاب إلى ترجمته لأعمال محمد ديب إلى اللغة الإنجليزية، على أن تكون، كما قال، بمثابة جسر بين الولايات المتحدة الأمريكية والجزائر، حيث تمكّن القرّاء في الولايات المتحدة من معرفة ثقافة الجزائر والوقوف عليها من خلال هذه الترجمات، مؤكّداً أنّه تعلّم الكثير منذ وصوله إلى الجزائر. كما عرّج في مجمل حديثه على كيفية وصوله إلى ترجمة محمد ديب، فهو روائي نشر أربع روايات بالولايات المتحدة، ومدرّس بجامعة كاليفورنيا، حيث كتب زميل له عن جون شتاينبك، الحائز على جائزة نوبل من كاليفورنيا، يدرّس الإنجليزية بجامعة سكيكدة اسمه الدكتور شاكر محمد بن علي، مقالاً قبل سنوات عن تأثير شتاينبك في الأدب الجزائري، لا سيما محمد ديب، حيث ترجم قليلاً من رواية “الحريق”، الجزء المتعلّق بالعمل الزراعي والفلاحين. ولما قرأ المقال، كما أشار، قرّر ترجمة عمل محمد ديب كاملاً ليتأكد من الموضوع، كما قال.
في حين قسّم كمال بومنير من الجزائر محاور تدخّله خلال هذه الندوة إلى أربعة أبعاد أساسية، وتعرّض بإسهاب إلى شقّ العبور من خلال العبور بالمعنى الأنطولوجي الوجودي، والعبور بالمعنى الإنساني الثقافي، وكذا العبور بالمعنى الأخلاقي الإتيقي، والعبور بالمعنى “الإستيتيقي”، أي الجمالي. وقدّم أمثلة عن العبور في اللسان الألماني، على غرار الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في كتابه “ما المقصود بالتفكير؟”، من أنّ الترجمة تعني العبور إلى الطرف الآخر. وهذا العبور لا يقتصر على امتلاك اللغة أداةً فحسب، بل يتعدّاه إلى امتلاك الفهم للآخر، لتصبح الترجمة أداة لتحقيق الفهم المتبادل بين الأمة والأمة. فالترجمة، على حدّ تعبيره، تحقق مقصداً أساسياً هو التبادل بين هذه الشعوب.