الدكتور والناقد اليامين بن تومي:النصوص الشبابية غارقة في الخيال والاغتراب عن المكان

يتحدث الدكتور اليامين بن تومي عن معاينته كناقد للنصوص الجديدة التي ظهرت مؤخرًا لشباب، أغلبهم ينتمون إلى ما يُعرف بـ”الجيل الرقمي”. وقال إنّ عوالم هؤلاء الشباب غارقة في العقد والخيال والاغتراب عن المكان، نتيجة تأثير التكنولوجيا، حيث تخلى شباب اليوم عن الهم ّ الجماعي لصالح الفردانية. ودعا، في السياق نفسه، إلى عدم مهاجمة هذه النصوص، بل إلى الاهتمام بها كظاهرة أدبية جديدة تستحق الدراسة.

هناك قطيعة نقدية بين الجامعة والنصوص الروائية الجديدة. ما هي أسبابها برأيك؟

نعيش اليوم أزمة مركّبة على جميع الأصعدة. هناك خطاب جامعي متشابك، وربّما ليس هناك أزمة في القراءات التقليدية داخل الحرم الجامعي، لكن الانتقال من النظام الكلاسيكي إلى نظام “أل أم دي” أدى إلى ضياع الكثير من الباحثين الذين كانوا يعتمدون على التكوين الكلاسيكي في مرحلة الماجستير في العلوم الإنسانية وخاصة في الأدب.

هذا التكوين كان مرحلة مهمة في حياة الباحث أو الجامعي، لكن مع النظام الجديد أصبح التكوين غير متّسق مع التكوين القاعدي للباحث أو الطالب في الأدب. هذا التناقض يتنافى مع روح الأدب التي تحتاج إلى تفرّغ طويل ومسافة زمنية للبحث والدراسة. لذلك ظهر شرخ بين الباحث وما يُصدر من نصوص جديدة، باستثناء بعض الفرديات القليلة التي تتابع النصوص الشبابية بشكل مستمر.

كنت قد قدّمت مشروعًا لتوثيق مراحل الرواية الجزائرية، إلى أين وصل هذا المشروع؟

في هذا المعرض، أصدرت موسوعة كنت قد أعددتها وكنت أنوي تقديمها لوزارة الثقافة بعنوان “الخطاب الروائي الجزائري” من فترة “مداوروش” إلى اليوم. للأسف، لم تطبع الموسوعة بشكل كامل، حيث صدر منها ثلاثة كتب متتابعة في دار “خيال”، الكتاب الأول بعنوان “النص الجزائري وتاريخ الوضع السردي”، الثاني يتناول “التقطيع الثقافي للنص السردي في الجزائر”، ويعرض أهم النصوص التاريخية مثل نص “الحمار الذهبي” و”التغريبة الهلالية” وهي النصوص التأسيسية للرواية الجزائرية، والثالث بعنوان “رواية الأزمة” ويغطي فترة التسعينيات.

أما باقي أجزاء الموسوعة، مثل “الإمبراطورية والأيديولوجيا” والرواية الشبابية والرواية الصحراوية، فما زالت لم تُطبع. كذلك قدّمت كتابًا ضخمًا جمعت فيه قراءاتي في النصوص الشبابية التي صدرت خلال السنوات الأخيرة، محاولًا متابعة النصوص من جهة الشكل والموضوعات.

ما أبرز الملاحظات التي سجّلتها عند تعاملك مع هذه النصوص؟

لاحظت أنّ الرواية الشبابية تتناول موضوعات بعيدة عن واقع الجزائر، وتجري في أماكن غريبة عن البيئة الجزائرية مثل بانكوك أو ميامي أو لندن، وهي نصوص تحدث في أماكن خيالية افتراضية مستمدة من الواقع الرقمي الذي يعيش فيه هؤلاء الشباب، نجد في هذه النصوص واقع لا يمت بصلة للواقع الجزائري.

تتحدّث عن قضايا ليست صميم هموم المجتمع الجزائري، بعكس الجيل السابق الذي كان يكتب عن الثورة والشخصيات الجزائرية والمكان المحلي. الجيل الجديد فرداني، يعيش في واقع افتراضي، وتأثّرت مخيّلته بالتكنولوجيا، لذلك أصبحت النصوص خالية من الحميمية والمكان الجزائري، غابة مثلا الثورة في نصوص الجيل الجديد وغاب المثقّف والكثير من العوالم التي كنا نجدها في الجيل الذي سبق لم نعد نجد محدّدات الشخصية الجزائرية في هذه النصوص التي تبدو في أغلبها جافة تفتقر إلى الحميمية والنوستالجيا التي ميّزت نصوص جيل مضى.

 قلت إنّ أغلب نصوص هذا الجيل يغلب عليها الطابع الفرداني، هل التكنولوجيا وحدها من أثرت في هذه النصوص؟

التكنولوجيا كان لها تأثير كبير طبعا في وسم نصوص الجيل الجديد، نأخذ مثلا الجيل الذي سبق جيل، سمير قاسمي وبشير مفتي وإسماعيل يبرير وعز الدين جلاوجي، وغيرهم، نجد أنّ نصوصهم غارقة في المحلية، وتتبنى شخصيات وأمكنة ملموسة في حياتهم اليومية. أما الجيل الجديد فهو منقطع تمامًا، يعيش في فضاء افتراضي لا علاقة  له بالواقع ونصوصه تتّسم بالجفاف والحدة فهم يكتبون عن أشياء غريبة مثل الساعات، العطور، الرعب، عوالم السحر والماورائيات وهي أمور غريبة غير معتادة وأنا كناقد لا أجد ذائقتي النقدية في هذا النوع من النصوص، رغم أنّني من مشجّعي الشباب على ان يكتبوا نصوصهم لكن عقلني النقدي لا يتقبلها .

بعض الكتاب المكرَّسين يصفون هذه النصوص بالرداءة وغياب الإبداع، برأيك، هل الحلّ في رفض هذه النصوص كظاهرة أدبية فرضت نفسها؟ لا، لا يجب رفضها. أنا من أنصار أنّ لكلّ شخص الحق في كتابة نصّه وممارسة تجربته الأدبية،. من حق الشباب أن يعبّروا عن أنفسهم في الفضاءات الإلكترونية وعبر الكتابة، ومن حقي كناقد دراسة هذه النصوص لمعرفة السمات التي تجعل النص رواية أو قصة أو مسرحية. التجريب داخل النص يمنح الشباب الحرية في تعديل أسلوبهم؛ قد يبدأ النص ضعيفًا، لكنّه سيتحسّن مع الوقت والممارسة.