في ثمانينية مجازر  8 ماي 1945، مؤرخون يؤكدون:همجية فرنسا جرائم دولة قائمة على العقيدة الاستيطانية

في إطار البرنامج الثقافي المرافق لفعاليات الطبعة الثامنة والعشرين للصالون الدولي للكتاب، احتضنت قاعة الندوات الكبرى “آسيا جبار” ندوة تاريخية بعنوان “مجازر الاستعمار، الذكرى 80 لمجازر الثامن ماي 1945” شارك فيها عدد من الأساتذة والمؤرخين، الذين توقفوا عند هذه الأحداث التي كان لها أثر مفصلي في تاريخ الجزائر الحديث، وبقت  راسخة في الذاكرة والوجدان الجماعي.

استهل المؤرخ محمد القورصو الندوة بالتأكيد على أن طرح موضوع مجازر 8 ماي 1945 يفرضه واجب الذاكرة تجاه الشهداء وتجاه الأجيال الجديدة كذلك، مبرزًا أن المجازر الفرنسية في الجزائر لم تتوقف منذ 1830، بل اتّخذت أشكالًا متعدّدة من القمع والإبادة.
أوضح القورصو أن هناك مؤشرات عديدة سبقت تلك المجازر، من بينها التعليمات التي أصدرها الجنرال ديغول لقادة أركان الحرب بضرورة فرض النظام والدفاع عن الإمبراطورية الكولونيالية مهما كان الثمن، حتى لو اقتضى الأمر القمع الدموي، وذلك عشية احتفال الحلفاء بالنصر على النازية. كما أشار المتدخل إلى العقلية الاستعلائية للمستوطنين الفرنسيين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أسياد الجزائر ولا يرون للعرب مكانًا في الجزائر الفرنسية.

بدوره، تحدث الدكتور جمال يحياوي عن الخصائص التي ميزت جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر، موضّحًا أنّها طالت الإنسان والشجر والحجر على حد سواء، ولم تتوقف طيلة فترة الاحتلال، بل تجاوزت حدود الجزائر لتطال الجزائريين في الشتات، من خلال النفي والإذلال والتهجير، كما حدث في مدغشقر وكاليدونيا، إضافة إلى محاولات استهدافهم في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من مدن العالم.
وأشار يحياوي إلى أن الاحتلال الفرنسي لم يكتفِ بالقتل، بل مارس نهب الذاكرة الوطنية وتهريب الأرشيف والكتب والمخطوطات، محذّرًا من النظرة النمطية التي تروّجها الأطروحات الفرنسية، والتي تختزل جرائم الاستعمار في أحداث محدودة الزمان والمكان، بينما الحقيقة أنها جرائم دولة قائمة على العقيدة الاستيطانية، وأكّد أنّ الجرائم الفرنسية استعُملت فيها أسلحة محرّمة دوليًا، واستهدفت الهوية الوطنية من خلال محاربة اللغة العربية وفرض القضاء الاستعماري، إلى تغيير الألقاب الجزائرية إلى أسماء مشينة “جرائم الحالة المدنية” في محاولة لتحطيم الشخصية الجزائرية.

من جانبه، تناول المؤرخ لحسن زغيدي الجرائم التي طالت سكان الجنوب الجزائري، مؤكدًا أن ما حدث هناك لا يقل فظاعة عن باقي مناطق الوطن. وعدّد عدة عمليات عسكرية تُصنّف ضمن المجازر، أبرزها معركة بن عزوز في بسكرة التي خلّفت نحو 500 شهيد في يوم واحد، ومعركة الزعاطشة عام 1849 التي انتهت بمجازر مروعة واقتلاع للنخيل، وجريمة 4 ديسمبر 1952 بالأغواط، التي شهدت إعدام أكثر من 3500 شهيد وحرق جثثهم في أفران الغاز.
ولم يغفل زغيدي الإشارة إلى الجرائم النووية الفرنسية في رقان وإن إيكر، التي ما تزال آثارها المدمرة ماثلة إلى اليوم في البشر والطبيعة.

أما الدكتور كمال بن يعيش، فتوقف عند الخلفيات التي سبقت أحداث 8 ماي 1945، مشيرًا إلى تصاعد العنف ضد الأهالي مع تنامي الوعي الوطني الذي اعتبره المستوطنون خطرًا على وجودهم. وقال إنّ تلك الأحداث كانت نقطة تحوّل حقيقية في مسار النضال الوطني، إذ شكلت الوعي الجماعي بضرورة الانتقال من النضال السياسي إلى الكفاح المسلح من أجل الحرية والاستقلال.

في حين، استعرض المؤرخ الأمريكي كلود بجامين براور موقف الرأي العام الأمريكي من مجازر 8 ماي، مؤكّدًا أنّ القضية لم تمر دون اهتمام إعلامي، إذ خصصت الصحف الأمريكية تغطية موسعة لتلك الأحداث، وكانت تنظر بعين الريبة إلى الجنرال ديغول وسياساته الكولونيالية.
أضاف براور أنّ الصحف الأمريكية آنذاك اعتبرت ما حدث في الجزائر جزءًا من حركة التحرر العالمية التي اجتاحت المستعمرات بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، في إطار التحوّلات التي كانت تبشّر بميلاد نظام عالمي جديّ.

أمّا الدكتور حُسني كيتوني، فدعا إلى تجاوز دائرة المطالبة بالاعتراف الفرنسي بمجازرها في الجزائر، معتبرًا أنّ القانون الدولي وضع معايير محدّدة لتصنيف الجرائم ضد الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية، وبات من الضروري تأسيس سردية جزائرية مستقلة تنفتح على الأبحاث العالمية خارج الإطار الفرنسي.  
أكّد كيتوني إيضا أنّ الهدف هو بناء خطاب وطني قادر على المرافعة أمام المؤسّسات الدولية من أجل الاعتراف بجرائم فرنسا وإدانتها، مشيرًا إلى أنّ كثير من الجامعات ومراكز البحث في العالم بدأت تتحرر من هيمنة الفكر الفرنكفوني.