
جاءت ندوة “فكر فانون، قضايا التحرر ونقد الكولونيالية والنيوكولونيالية” التي احتضنها فضاء “روح البناف” لتضيء جوانب مهمّة من فكر فانون وتضعه في سياقه التاريخي وكانت كنوع من الاحتفاء بفانون الجزائري تنظيرا وفكرا.
قدّم الكاتب الأمريكي آدم شاتز قراءة في كتابه “فرانز فانون في ثورة”، الذي صدر في الجزائر عن منشورات “البرزخ”، واستعرض السيرة الذاتية لفرانز فانون بعد أن حدّد علاقته بالجزائر، وقال إنّ “كتابه هو ثمرة علاقة طويلة مع الجزائر التي زارها لأوّل مرّة في 2002، يستهويه تاريخها منذ عشرات السنين”، وأضاف أنّه كان مُحرجا حيث تساءل ما الذي يمكن أن يقوله مواطن نيويوركي للجزائريين، بخصوص فانون الذي تتعلّق أعماله بثورتهم ومقاومتهم من أجل الاستقلال؟.
بيد أنّ هذه المسافة، في نظر المتدخّل، تعطي رؤية مغايرة، مشيرا إلى أنّ فانون كان دائما غريبا في وجوده، ورغم قربه وحتى حميميته مع القضايا التي يدافع عنها، بقي غريبا وهذا ما يوضّح قدرته على رؤية وتحليل حقائق تفلت من ملاحظين آخرين.
تحدّث شاتز عن مسار فانون، وقال إنّه يغطي جغرافيا كبيرة منها فرنسا والمستعمرات القديمة مثل افريقيا الشمالية والساحل وحتى أمريكا حيث توفي، وتساءل لماذا ما يزال الحديث عن فانون يغري جدا، حتى الآن، مشيرا إلى أنّ فانون لم يعش إلاّ 36 سنة، لكن تعدّد القضايا والأسئلة التي تطرّق اليها كان ملفتا للانتباه.
أضاف الكاتب أنّ فانون المارتينيكي مختلف عن فانون الجزائري، فالجزائري كان مهما جدا لأنّه في الجزائر أصبح فانون الذي نعرفه، ولو لم يأت للجزائر لما كان دخل في الذاكرة التاريخية. واستفاض الكاتب الأمريكي في شرح العلاقة بين الجزائر وفانون والثورة التحريرية وفانون، الذي ألّف كتابا عن الثورة الجزائرية وآخر هو “معذبو الأرض” اللذين ساهما بالنسبة لكثير من القرّاء غير الجزائريين في صياغة تعريف الثورة من اجل استقلال الوطني الجزائري.
كما شرح المتحدث نظرية فانون حول العنف الثوري، موضّحا أنّ التفكير في إعلان ثورة تحرير جزائرية كان بسبب عنف الاستعمار الفرنسي الذي استوجبت عنفا مضادا. وأكّد شاتز من جانب آخر أن ّالجزائر كانت محظوظة بوجود فانون سنة 1953 في مستشفى بالبليدة، فالجزائر بالنسبة له ليست مجرّد بلد له تاريخ خاص، بل كانت نموذجا لتصفية الاستعمار عن طريق العمل المسلح، وكانت الثورة الجزائرية استثنائية وعالمية، وقال إنّ الثورة الجزائرية إن أصبحت رمزا عالميا للتحرر ومواجهة الاستعمار وبطولة شعب مستعمَر من أجل تقرير مصيره بيده، فجزء منها كان بفضل كتابات فانون.
فضّل الباحث الجزائري وحيد بن بوعزيز، من جانبه، التوقّف عند مصطلح العنف عند فرانز فانون، الذي ما يزال حديث الساعة، وقال إنّ فانون في كتابه “معذّبو الأرض” وضع مقالا مهما بعنوان “حول العنف”، لم يُرِد أن يبرّر فيه العنف الذي يعدّ جوهري في كلّ ثورة، بقدر ما أراد أن يردّ على عقدة يسميها “دافيد ماسي” بـ”عقدة اليسار”، الذي أصبح يتحرّج من كلمة “ثورة”، ويتّجه لما يسمى اليوم “اليسار الجديد”، الذي أفرغ مفهوم الثورة من العنف وأصبح لا يتكلّم عن العدالة الاجتماعية في المجتمع، بقدر ما يتكلّم عن حقوق الانسان.
لخص بن بوعزيز نظرية فانون عن العنف في مقولتين، أوّلا العنف لا بدّ أن يكون في المجتمعات المستعمرة، لأنّ الاستعمار عنيف، ولا يفهم وليس له لغة تفاوض إلا بالعنف، ثانيا العنف عند فرانز فانون مرحلي، فهو لا يقول إنّ أساس التغيير هو العنف، بل العنف مرحلة، ففي مرحلة معيّنة نحتاج إلى العنف، كي يفهم هذا المستعمر، فبلا عنف لا يكون هناك اعتراف. كما تحدّث بوعزيز عن استقبال الغرب لنظرية العنف الثوري وردود فعلهم حولها خاصة من جانب اليسار الغربي.
تناول الكاتب بن عودة لبداعي في تدخّله موضوع “تأثير فرانز فانون على الآداب الجزائرية”، مشيرا إلى أنّ فانون منظّر وصاحب نظرة ثاقبة، وهو مصدر إلهام في هذا العالم المجنون الذي نعيشه، كما أنّه موضوع الساعة ونظرياته حول الاستعمار، وثقافته السياسية ساهمت في إطلاق النقاشات وألهمت حركات التحرّر. وتحدث عن الكتّاب الجزائريين الذي تأثّروا بفانون على غرار كاتب ياسين ورشيد بوجدرة ومايسة باي وآسيا جبار وغيرهم .