الزاوي وبن منصور في ندوة “الذكاء الاصطناعي والإبداع”: مخاوف من قولبة الإنسان والفكر

ضمن فعاليات الدورة الثامنة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، احتضن الفضاء المركزي “آسيا جبار” ندوة فكرية بعنوان “الذكاء الاصطناعي والإبداع”، شارك فيها الروائي والسيناريست عبد الوهاب بن منصور، والروائي والأكاديمي أمين الزاوي، فيما غاب عن الجلسة عبد الرحمان المحسني ومايسة بادي، وأدار النقاش الكاتب حميد بوحبيب.

الندوة التي استقطبت اهتمام جمهور واسع من الباحثين والمهتمين بالأدب الرقمي، فتحت نقاشاً عميقاً حول أثر الذكاء الاصطناعي على العملية الإبداعية ومستقبل المؤلف البشري، وسط تحذيرات من مخاطر “توحيد الذكاء الإنساني” و”تنميط الإنسان” في ظلّ التوسّع المتسارع لهذه التكنولوجيا.

في مداخلته، اعتبر الروائي والسيناريست عبد الوهاب بن منصور أنّ خطورة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في قدرته على كتابة رواية أو قصة قصيرة، بل في محاولته توحيد ذكاء الإنسان وتحويله إلى نموذج واحد مبرمج. وقال إنّ “المسألة تتجاوز الأدب لتصل إلى جوهر الإنسان نفسه”، مشيراً إلى أنّ “الخطر هو في التنميط، في أن نفكر ونبدع كما تمليه علينا الآلة”.

ولفت بن منصور إلى أنّ بعض الدول بدأت تتنبّه إلى هذا الانزلاق، مستشهداً بتشريعات قانونية في السويد تضمن ملكية الجسد والصوت والوجه والعينين للأفراد، بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على التوليد من مجرد صورة واحدة. وضرب مثالاً بتجربة رئيس وزراء باكستان الذي اعتمد على الذكاء الاصطناعي في حملته الانتخابية وهو في السجن، ما يعكس مدى تغلغل هذه التقنية في المجال السياسي والإعلامي.

وتوقف المتحدث عند إضراب كتاب السيناريو بهوليوود، موضّحاً أنّ الإضراب “لم يكن ضدّ الذكاء الاصطناعي نفسه، بل من أجل المطالبة بالحقوق المادية والمعنوية للكتّاب”، مبرزاً أنّ الخطر الأكبر يتمثّل في ارتفاع نسب البطالة في صفوف الفنانين والمبدعين بفعل اعتماد المؤسّسات على تقنيات التوليد الآلي. وأضاف “السؤال الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي اليوم هو: من يكتب؟ من هو المؤلف؟”، مؤكّداً أنّ مفهوم المؤلّف كما عرفته الحداثة يشهد تحوّلاً عميقاً، وأنّ “الإبداع لا يتحقّق إلاّ بوجود وعي ومعنى، والإنسان يظلّ المؤلف الحقيقي مهما بلغت قدرات الآلة”. كما حذّر من غياب الأطر القانونية التي تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الثقافي والفني.

من جهته، قدّم الروائي والأكاديمي أمين الزاوي قراءة فلسفية في علاقة الإنسان بالآلة، مؤكّداً أنّ “الخطر القادم من الذكاء الاصطناعي يكمن في اعتقادنا أنّه يمنحنا كلّ شيء”، في حين أنّه “مقيّد برقابة صامتة أشدّ من رقابة الأنظمة السياسية”، وأوضح أنّ الذكاء الاصطناعي ليس كياناً حراً كما يُروّج له، بل هو نتاج بيئة تكنولوجية وسياسية محدّدة، مضيفاً أنّ “الذكاء الاصطناعي الذي تصنعه الصين يختلف عن نظيره الأميركي أو الألماني، لأنّ كلّ ذكاء يُصنع على مقاس الحرية الممنوحة له”.

دعا الزاوي إلى ذكاء إنساني مضاد في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، قائلاً “نحن مراقَبون من قبل ذكاء صناعي مراقِب، والحرية التي نعتقد أنه يمنحنا إياها مقيدة”. وأضاف “حين يكتب الإنسان، يكتب بخوفه وسذاجته واندفاعه، وهي حرية بشرية حقيقية تفوق حرية الذكاء الاصطناعي”، محذّراً من أنّ “الذكاء الاصطناعي في النهاية سيعمل على قولبة الفكر والعلم والذوق ضمن نموذج واحد يهدّد تنوّع الإبداع الإنساني”.