“سيلا” يعيد مؤسّس الرواية الجزائرية المعرّبة إلى الواجهة..الدعوة لإعادة قراءة بن هدوقة بأدوات معاصرة

في إطار البرنامج الثقافي المرافق لفعاليات الطبعة الثامنة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، احتضنت قاعة المحاضرات الكبرى “آسيا جبار”، أمس الجمعة ندوة فكرية بعنوان “في مئوية ميلاده، كيف نقرأ بن هدوقة”، خُصّصت للاحتفاء بمئوية ميلاد الأديب الكبير عبد الحميد بن هدوقة، أحد أبرز أعمدة الرواية الجزائرية الحديثة وصاحب الرواية الشهيرة “ريح الجنوب”.

أجمع المشاركون في الندوة على ضرورة استعادة كبار الكتّاب الجزائريين، وفي مقدمتهم بن هدوقة، من خلال إدراج أعمالهم في المنظومة التربوية والجامعية، لما تمثّله من قيمة أدبية وفكرية قادرة على تحقيق التراكم الثقافي الذي تحتاجه الأجيال القادمة.

خلال الندوة التي ترأستها الباحثة علجية مودع، أكد واسيني الأعرج أهمية إعادة قراءة بن هدوقة، ليس فقط بوصفه واحدًا من كبار الكتّاب الجزائريين، بل لكونه مؤسّس الرواية الجزائرية المعرّبة، إذ كان أوّل من أرسى أسّس هذا الفن ومنحه هويته المتكاملة، رغم وجود تجارب سابقة على غرار أحمد رضا حوحو الذي كتب الرواية، لكنّها، حسب الأعرج، لم تبلغ المعنى الفني المتكامل الذي تحقّق على يدي بن هدوقة.

أوضح واسيني أنّ بن هدوقة كان يتمتّع بقدرة فريدة على الاستماع إلى عصره ومجتمعه، كما يتجلى ذلك في رواياته التي عكست حسّه الاستشرافي وقدرته على قراءة التاريخ الثقافي والاجتماعي للجزائر. واستشهد الأعرج برواية “ريح الجنوب” التي تنبأ فيها بن هدوقة بالانتكاسات التي عرفتها الجزائر بعد الاستقلال، من خلال النهاية التي جعل فيها الإقطاعي ينتصر.

دعا الأعرج إلى إعادة قراءة أعمال بن هدوقة بأدوات نقدية وأكاديمية معاصرة للوقوف على عبقريته الأدبية، مشيرًا إلى أنّ الراحل كان يخوض تحديًا أكبر في كلّ عمل يصدره. كما دعا في ختام مداخلته إلى تنظيم ملتقى وطني كبير بمناسبة مئوية الكاتب، والاحتفاء بأعماله وذاكرته الإبداعية.

من جهتها، توقّفت الباحثة سامية إدريس عند تجربة بن هدوقة الروائية والقصصية، مبرزة أنّ الراحل تميّز بتنوّع حقوله الإبداعية بين القصة والرواية والشعر والكتابة الإذاعية، ما يجعل قراءة أعماله اليوم تتطلّب جهدًا متكاملًا وفهمًا عميقًا للتيمات التي شغلت فكره. وأوضحت إدريس أنّ بن هدوقة أسّس جزءًا مهمًا من الذاكرة الثقافية الجزائرية، إذ لم يكن متقوقعًا في الماضي، كما لم يغفل عن التغيّرات التي عاشها مجتمعه، بل عالجها في أعماله بنهج واقعي متميّز.

وأضافت المتحدّثة أنّ أسلوب بن هدوقة انفتح على تقنيات سردية جديدة في كلّ عمل أدبي أصدره، متناولًا قضايا التفاوت الطبقي والتحوّلات السوسيو- ثقافية التي عرفها المجتمع الجزائري، مؤكّدة أنّ بن هدوقة كان من دعاة الخلاص الجماعي والتصالح بين مختلف المكوّنات الثقافية الجزائرية. ودعت في ختام مداخلتها إلى ضرورة إدراج أعمال بن هدوقة ضمن المناهج الجامعية لتكون مادة دراسية تثري الفكر الأدبي والنقدي لدى الطلبة.

في السياق نفسه، أشار الناقد بختي ضيف الله إلى أنّ قراءة بن هدوقة اليوم تحتاج إلى عتبات جديدة، لأنّ أعماله تأثّرت ورصدت بدقة التغيّرات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر عبر مراحلها المختلفة.

أما الإعلامي أنيس بن هدوقة، نجل الراحل، فقدّم شهادة إنسانية عن والده، قائلًا إنّه ينتمي إلى جيل لن يتكرّر، كونه وُلد بين حربين عالميتين، وعاش كلّ التحوّلات التي مرّت بها الجزائر، من الاستعمار إلى الثورة فالاستقلال، وكان شاهدًا على بعض المحطات ومشاركًا في بعضها الآخر.

وأضاف أنّ والده عاش تجربة مؤلمة تمثلت في حرق الاستعمار الفرنسي لمكتبة والده، لكنّه واصل شغفه بالثقافة والإبداع، وعاش وهو يعمل على إعادة تأسيس تلك المكتبة حيث كتب أكثر من 200 مسرحية إذاعية، منها 30 عن الثورة الجزائرية، كما أخرج عدّة برامج إذاعية من بينها “صوت الجزائر من تونس”.

واعتبر أنيس بن هدوقة أنّ رواية “ريح الجنوب” تُعدّ تحفة فنية خالدة، لأنّها تجّسد تجربة إنسانية حقيقية عميقة، داعيًا إلى قراءة أعمال كبار الأدباء الجزائريين، ومنهم والده، لأنّ كتاباتهم تحمل تجارب إنسانية وثقافية غنية تستحق الاستعادة.