
احتضنت قاعة الندوات الكبرى “آسيا جبار” ثُلّة من الكتّاب والروائيين الذين ناقشوا سؤال الفكر وعلاقته بالرواية، حيث جمعت الندوة الروائي عبد الوهاب عيساوي من الجزائر، الناقد معجب العدواني من السعودية، والكاتب أليخاندرو موريون من إسبانيا، بإدارة بلقاسم عيساني.
تمحورت الندوة حول علاقة الرواية بالفكر، حيث انطلق السعودي معجب العدواني من خلفية الاتهام الذي يُوجَّه عادةً إلى الرواية، خاصة في العالم العربي، على أنّها مجرّد حكاية أو حكايات لا علاقة لها بالفكر.
أوضح العدواني أنه لا يمكن لأيّ عمل روائي أن يكون خارج سؤال الفكر، إذ أنّ لكل عمل روائي فكرة أو أفكار ينطلق منها. وربط بين مستويات القراء والمتلقين وخلفياتهم المعرفية والفكرية والدينية، والمعنى الذي يضفيه كلٌّ منهم على الأعمال الروائية. وحسب رأيه، كلما كان البناء الروائي مُحكمًا، كانت علاقة العمل بالفكر أقوى وأكثر متانة.
نفس الفكرة طرحها الروائي عبد الوهاب عيساوي، الذي يرى أنه لا يوجد عمل روائي من دون سؤال، حيث قدم المتحدث أمثلة من الأدب العالمي، مثل أعمال ساراماغو التي اعتبرها أكثر من مجرد سرد، بل أعمال تطرح الأسئلة الكبرى.
انطلق عيساوي من تجربته في “الديوان الاسبرطي” التي طرح من خلالها مجموعة من الأسئلة الفكرية والمعرفية التي تمحورت حول نظرتنا إلى الآخر، ونظرة الآخر إلينا، وطبيعة بنية التفكير لدى الجزائري في فترة زمنية تقع بين مرحلتين تاريخيتين مختلفتين، كما تناولت الرواية علاقة الجزائري بالدين، وكيفية تعبيره عنه داخل المجتمع، وكذلك علاقته بالسياسة وبالآخر عمومًا.
يرى عيساوي أنّ الرواية لا تقدّم إجابات، بل تطرح الأسئلة، ولهذا تتعدد مصادر القراءة التاريخية في العمل الروائي. فالمهم في الرواية، حسبه، ليس الحكاية في حدّ ذاتها، لأنها مجرد رافد، بل الأهم هو قدرة الكاتب وطريقته في طرح الأسئلة والاشتغال عليها.
من جهته، يرى الكاتب الإسباني أليخاندرو موريون أن الكلمة تُعادِل الفكرة، وأن وقع الكلمة في المجتمع يحدّد مكانة الفكرة.
فالكتابة ليست حيّزًا منغلقًا على ذاته، بل هي فضاء مفتوح يتيح للكاتب العيش مع الآخر ومخاطبته، بما في ذلك المحيط الجغرافي والطبيعي.
انطلق موريون من تجربته ككاتب وُلِد في جزيرة مطلّة على البحر، لتتبلور من خلالها أسئلته الروائية التي تدور حول الطبيعة. فالأدب بالنسبة له صيرورة حياتية تطرح الأسئلة وتقترح الإجابات لتستفزّ القارئ.
الندوة عرفت نقاشا ثريا بين المحاضرين والقاعة التي أثارت عددا من الأسئلة التي تمحورت حول تجربة ونظرة كل روائي إلى الحضور الفكري في الأعمال الروائية وانتهت جميعها الى التأكيد أن الرواية ليست مجرد حكاية للتسلية، بل فضاءٌ للتفكير والسؤال ومساءلة الذات والواقع، وأنّ قوة الرواية الحقيقية تكمن في عمقها الفكري قبل جمالها السردي.