ندوة “راهن الشعر العربي المعاصر” ..آراء وتطلعات للقصيدة في زمن التحولات

في إطار فعاليات الدورة الثامنة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، احتضن فضاء فلسطين “غسان كنفاني”، ندوة فكرية بعنوان راهن الشعر العربي المعاصر، جمعت أسماء بارزة من المشهد الشعري والنقدي العربي، تناولت بالتحليل تحولات القصيدة العربية في زمن الرقمنة والانفتاح، وما تعيشه من جدل بين الحرية والتشتت، بين الأصالة والتجريب.

افتُتحت الندوة بمداخلة الشاعر سامح محجوب، رئيس بيت الشعر المصري، الذي قدّم قراءة نقدية جريئة في المشهد الشعري العربي الراهن، واصفًا إياه بأنه “راهن ومرتهن”، قائلاً إنّ تقييم الحالة الشعرية كان في الماضي أكثر وضوحاً بفضل الدوريات والصحف التي كانت تؤطر الظواهر الأدبية، غير أنّ المشهد اليوم صار أكثر تعقيداً بسبب غياب المعايير وتحكّم الفردية المطلقة في النشر والتلقي.

أشار محجوب إلى أنّ التصنيفات التاريخية التي رافقت النقد الشعري لسنوات طويلة أضرت بالجانب الفني للنص، فـ”كثير من التجارب المهمشة، مثل شعراء الصعاليك أو شعراء الثورات، تم إقصاؤها بسبب الامتثال للسلطة الدينية والسياسية التي لم تكن بريئة من توجيه الذوق الأدبي”، على حد قوله. وأضاف أنّ ثورة المعلومات والاتصال ألغت سطوة المركزيات التقليدية، ومنحت الشاعر حرية مطلقة في النشر والوصول إلى الجمهور عبر منصات خاصة به، لكنّها في الوقت نفسه “أسقطت الشعر في يد جماعة من النمل الأبيض”،  في إشارة إلى غياب المعايير النقدية الجادة، وتفشي النشر السهل عبر الوسائط الرقمية.

توقف محجوب عند ظاهرة جوائز الشعر، معتبراً أنّ بعضها فقد مصداقيته وتحول إلى أداة بيد أنظمة “رجعية وراديكالية”، تُكرّس ماضوية ثقافية، قائلاً “بعض المواضيع لا تليق بأن تكون موضوعاً لجوائز شعرية “.

من جهتها، قدّمت البروفيسور خيرة حمر العين، أستاذة النقد المعاصر بجامعة وهران، مداخلة تحليلية تناولت فيها الفرق بين الكتابة الشعرية والحساسية الشعرية، معتبرة أن الأخيرة هي “الجدوى التي لا تنطفئ في الشعر”. وقالت إن الشعر، منذ العصر الجاهلي إلى العصر الرقمي، مرّ بتحولات فكرية ومجتمعية عميقة جعلت من الضروري إعادة النظر في المفهوم ذاته “لقد أرهق الخطاب الشعري بالنظريات، وصار السؤال الجوهري اليوم هو: ما المقاييس التي نحكم بها على الشعر؟”.

وأضافت حمر العين أن المشهد الشعري الراهن ينقسم بين شعراء المنابر وشعراء الجوائز من جهة، وكتاب القصيدة الحرة والنثرية من جهة أخرى، مشيرة إلى أنّ فئة من الشباب أحدثت تحوّلات شكلية وجمالية جديدة تتطلب نقداً جاداً يواكبها. وختمت مداخلتها بالتأكيد على أنّ الشعر “يجب أن يكون نبوءة وشعلة لا تنطفئ، تشارك في الإجابة عن مصيرنا”.

أما الشاعرة العُمانية بدرية البدري، فاختارت مقاربة إنسانية تحت عنوان لماذا نكتب الشعر؟، معتبرة أن الشعراء “بشر أكثر حساسية من غيرهم، يكتبون لأنهم يشعرون أكثر”. وتحدثت عن تجربتها في الكتابة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف قامت شركة “ميتا” بإغلاق حساباتها بسبب منشوراتها الداعمة للقضية الفلسطينية، مؤكدة أن “الشعر لا يكون شعراً إلا إذا كان إنسانياً، قادراً على صناعة التغيير”.

واختُتمت الندوة بقراءات شعرية شارك فيها عدد من الشعراء العرب، منهم عصام سعدي، بدرية البدري، بسمة شيخو من ليبيا، هود الأماني، أحمد مفتاح من الأردن، سارة حامد حواس، وخيرة حمر العين، حيث توزعت النصوص بين القصيدة الموزونة وقصيدة النثر، في لوحةٍ جسدت تنوع الأصوات وتعدد الحساسيات الشعرية العربية المعاصرة.