
احتضن فضاء روح البناف “فرانز فانون”، ندوة حول “العبوديّة في الآداب الإفريقيّة”، بمشاركة الكاتب الأمريكيّ مكسين فينيون والباحث الجزائريّ بن عودة لبداعي، حيث أجمعا على ضرورة تحرير تصوّرات الماضي لإعادة التّفكير في الإنسانيّة والعدالة.
بن عودة لبداعي:
العبوديّة مرتبطة بوضع حدّ للاستعمار الثّقافيّ
اعتبر الباحث في الأدب الإفريقيّ، بن عودة لبداعي، أنّ النّصوص والنّقاشات والنّدوات التي تحصل في العالم حول العبوديّة، مرتبطة بالرّغبة والإرادة في وضع حدّ للاستعمار الثّقافيّ ومجابهته، وبنى مداخلته على مقاربة تاريخيّة في حديثه عن ماهيّة العبوديّة، موضّحا أنّ الفرق بين العبودية والاستعباد يكمن في طبيعة الخضوع، فالعبوديّة هي خضوع طوعيّ مبنيّ على الإخلاص، بينما الاستعباد غالبا ما يُفهم كخضوع قسريّ أو مفروض، سواء كان على المستوى الفرديّ أو الجماعيّ، ويُعدّ انتزاعا للحرّيّة وكرامة الإنسان.
قال لبداعي إنّ العبوديّة كانت سائدة في الحضارات القديمة، وفي القرن الخامس عشرة، حيث بدأ الأوروبّيّون تجارة العبيد الأفارقة، وأرسلوهم قسرا للعمل في ظروف جدّ قاسية. وقد بدأت البرتغال في ممارسة النّخاسة عام 1444، كما مارست إسبانيا تجارة العبيد لاستخدامهم في مستعمراتها بأمريكا اللّاتينيّة، بينما دخلت بعدها إنجلترا، ثمّ البرتغال وفرنسا وهولندا والدّنمارك في هذه التّجارة، وقد وصلت أوّل جحافل العبيد الأفارقة إلى أمريكا الشّماليّة سنة 1619 عبر سفن هولنديّة، وأُوكل إليهم العمل الشّاقّ في المستعمرات الإنجليزيّة، بينما شهد القرن التّاسع عشرة تحوّلات كبيرة، حيث ألغت الدّنمارك تجارة الرّق وتبعتها بريطانيا وأمريكا ودول أوروبّيّة أخرى.
ونبّه بن عودة إلى أنّ المراجع الأدبيّة الحديثة في القرن الواحد والعشرين، تستعمل مصطلح الاستعباد بدل العبوديّة في إحالة إلى مؤسّسة الاستعمار العبوديّة الاستعماريّة التي غزت الدّول الإفريقيّة واستغلّت كرم وطيبة سكّانها، ثمّ اعتدت عليهم وقتلتهم وأبادتهم وباعتهم مثل السّلع. وأشار إلى أنّ آخر سفينة مستعبدين افارقة كانت “غلوتيلدا”، التي أبحرت من سواحل البنين إلى أمريكا، وعلى متنها أطفال ونساء وشبّان مقيّدون بالأغلال والسّلاسل طيلة الرّحلة.
من بين الأدباء الذين تطرّقوا لمسألة العبوديّة والاستعباد في إفريقيا، جاك لاكاريار، فريديريك دوغلاس، هاري جاكوب، فولتار وجون جاك روسو، إضافة إلى مارلين روبنسون وفرانز فانون.
مكسيم فينيون:
الكثير من الأدباء يتجنّبون مناقشة دور الأفارقة في تجارة الرّقيق
تعمّق الكاتب الأمريكيّ من أصول بينينيّة، مكسيم فينيون في حديثه عن العبوديّة باعتبارها من الموضوعات المحوريّة في الأدب الإفريقيّ، وأشار إلى تجنّب الكثير من الأدباء والكتّاب الأفارقة مناقشة دور الأفارقة في تجارة الرّقيق لعقود طويلة، رغم أنّ هذه الظاهرة كانت متأصّلة في تاريخ القارّة منذ قرون. وذكر أنّه في السّنوات الأخيرة، بدأت بعض الأصوات الأدبيّة والدّينيّة في كشف هذه الحقيقة المغيّبة، حيث أقرّ كتّاب مثل ليونورا ميانو في وماريز كوندي والغوياني إتيان غويميدي بأنّ الأفارقة كانوا طرفا في هذه الجريمة، وأنّ العبيد السّود كانوا يباعون ويتاجر بهم من طرف سود آخرين.
أشار الكاتب مكسيم فينيون أنّ الأدب الأفريقي الحديث، يظهر محاولة لفهم تاريخ العبوديّة لا لإدانة الأجداد، بل لاستخلاص رؤى حول العقليّات السّائدة، والعلاقات الاجتماعيّة والعرقيّة، والبنى الاقتصاديّة، وتمثّل الهويّة في تلك الفترة. وقد ساهمت هذه الأعمال في تشكيل مسار إبداعيّ متميّز يجمع بين الرّواية والنّقد الأدبيّ. كما تحدّث في السّياق عن الأدب الإفريقيّ الأمريكيّ، الذي يُعدّ جزءا من السّياق الأوسع، تأثير العبوديّة على الهويّة والحرّيّة.
اختتم فينيون مداخلته بالدّعوة إلى الفحص المتمعّن للصّور المنشورة حول المستعبدين الأفارقة التي يحاول البعض ترويجها على أنّها رحلات إلى أمريكا، في حين أنّها كانت لمواطنين أفارقة تمّ الاعتداء عليهم وجلبهم بالقوّة القاهرة ووضعهم في ظروف غير إنسانيّة، على متن السّفن، مؤكّدا على ضرورة تحرير تصوّرات الماضي لإعادة التّفكير في الإنسانيّة والعدالة.