
في فضاء “آسيا جبار”، وعلى هامش الطبعة الثامنة والعشرين من الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، نُظمت ندوة فكرية بعنوان “الجزائر أرض التاريخ ومهد الحضارة، النقوش الصخرية في الجزائر متحف مفتوح”، شارك فيها كل من البروفيسور سليمان حاشي، والباحث محمد بوضياف، والدكتور محمد بلغول، فيما أدار الجلسة عبد العزيز بوكنة.
استهل البروفيسور سليمان حاشي مداخلته بالإشارة إلى أنّ الجزائر تُعدّ من أغنى مناطق إفريقيا بمواقع ما قبل التاريخ الأعلى، موضّحاً أنّ موقع عين بوشريط بسطيف، الذي يعود إلى نحو 2.4 مليون سنة، يُعتبر أقدم موقع أثري معروف للإنسان في شمال القارة، وأحد أقدمها في العالم. وقد تم اكتشافه سنة 2018 على يد البعثة الأثرية الجزائرية الإسبانية بقيادة البروفيسور محمد سحنوني، حيث عُثر على أدوات حجرية بدائية وبقايا عظام حيوانات مقطّعة بأدوات حادة، ما غيّر جذرياً خريطة تطوّر الإنسان وأثبت أنّ شمال إفريقيا كان بدوره مهداً للتطوّر البشري.
كما تطرّق حاشي إلى موقع عين الحنش، الذي يعود إلى نحو 1.8 مليون سنة، ويُعدّ من أقدم مواقع الصناعة الحجرية “الأولدوانية” في إفريقيا الشمالية، إذ تم العثور فيه على أدوات وأحافير لحيوانات ضخمة كوحيد القرن وفرس النهر، ما يدلّ على استقرار الإنسان القديم في المنطقة وقدرته على التأقلم مع بيئته.
في سياق متصل، أشار الباحث إلى أنّ الجزائر تزخر بمواقع تعود إلى العصر الحجري الأوسط مثل تغالا بتمنراست وتيمقاد، التي شهدت تطوراً في شكل الأدوات الحجرية ودقة الصقل، ودلّت على وجود الإنسان النياندرتالي في الشمال الجزائري. أما خلال العصر الحجري الحديث، فقد شهدت المنطقة تحولات نوعية تمثلت في ظهور الزراعة والرعي وصناعة الفخار والدفن المنظم، وهي مرحلة تجلّت بوضوح في مواقع تاسيلي ناجر والأهقار، ما يجعل الجزائر بحقّ أرضاً حفظت ذاكرة الإنسان منذ فجر التاريخ.
من جهته، قدّم الباحث محمد بوضياف مداخلة حول حظيرة طاسيلي ناجر التي وصفها بأنها “متحف مفتوح يروي تاريخ الإنسان عبر الصخور”، مشيراً إلى أنّها تمثّل تتويجاً لكلّ الصناعات الحجرية منذ أكثر من مليوني سنة وصولاً إلى العصر الحجري الحديث الذي تميّز بظهور الفن كعلامة على بداية الأنسنة. وأوضح أنّ النقوش الصخرية تعكس مراحل تطوّر الفن الإنساني في الصحراء الجزائرية، بدءاً من مرحلة الجاموسة، ثم مرحلة الرؤوس الدائرية التي تعود إلى نحو تسعة آلاف سنة، مروراً بالمرحلة الرعوية، فمرحلة الحصان والعربة التي تمتد إلى حوالي ألفي سنة، وصولاً إلى مرحلة الجمل وكتابات التيفيناغ. وأضاف بوضياف أنّ الطاسيلي تضم ثروات نباتية نادرة أبرزها شجرة الصرو الطاسيلي، التي لم يتبق منها سوى نحو 230 شجرة مصنفة ضمن القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض، إلى جانب معالم جنائزية تمتد من العصر الحجري الحديث حتى الفترات الإسلامية، ما يؤكّد عمق الامتداد الحضاري في المنطقة. كما أشار إلى أن المنطقة لا تزال تحتفظ بعناصر ثقافية حيّة مثل آلة الإيمزاد واحتفالية السبيبة، اللتين تمثلان صلة وصل بين التراث المادي والروحي للسكان الأوائل. أما الدكتور محمد بلغول فقد تناول البعد البيئي للحظيرة الثقافية بالأهقار، مبرزاً أنها تشكّل واحدة من أغنى المواطن الطبيعية في الصحراء الكبرى رغم هشاشتها البيئية. واستعرض نتائج عمليات الرصد بالكاميرات المثبتة التي كشفت عن وجود أنواع نادرة من الحيوانات، من بينها الفهد الصحراوي أو “فهد شمال غرب إفريقيا”، وغزالة دوركاس، والنعجة البربرية، وثعلب الفنك، إضافة إلى أنواع عديدة من الطيور المهاجرة التي جعلت الأهقار مصنّفة كـ”منطقة مهمة للطيور” وفق المنظمات الدولية. غير أنّ بلغول نبّه إلى أن بعض هذه الأنواع يعيش بأعداد محدودة للغاية، فيما انقرضت أنواع أخرى محلياً مثل غزالة الداما والعدّاکس، داعياً إلى تعزيز الجهود العلمية والبيئية لحماية هذا الإرث الطبيعي.