
قال الدكتور جمال يحياوي إنّ فرنسا ترفض الاعتراف بجرائمها في الجزائر ليس هروبًا من المسؤولية، بل خوفًا على أجيالها الجديدة
وأوضح أن جرائم فرنسا، انطلاقًا من مجازر 8 ماي 1945 التي شاهدها العالم، كانت استمرارًا لمسلسل الجرائم الذي بدأ منذ جوان 1830 واستمر إلى جويلية 1962، بل حتى بعد وقف إطلاق النار.
مؤكّدا أنّ الاعتراف بتلك الجرائم سيؤدي إلى شرخ في الذاكرة الفرنسية، لأن ّالأجيال الجديدة ستكتشف أنّ الرموز التي تعلّمتها في المدرسة لم تكن سوى قتلة ومجرمي حرب.
لماذا تواصل فرنسا إلى اليوم التنكّر لجرائمها في الجزائر؟
جرائم فرنسا في الجزائر، انطلاقًا من مجازر 8 ماي الفظيعة التي صوّرها العالم وشاهدها، هي في الحقيقة استمرار لسلسلة طويلة من الجرائم التي بدأت منذ جوان 1830 إلى غاية جويلية 1962. فحتى بعد وقف إطلاق النار، واصلت فرنسا ارتكاب جرائمها، مثل جريمة حرق مكتبة جامعة الجزائر.
هذه الجرائم مسّت الإنسان والأرض والحيوان، وحتى المحيط والهواء، من خلال التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية. كما طالت الطبيعة عبر “قانون الغابات”، وضربت الهوية الجزائرية في العمق من خلال الإساءة إلى الألقاب الجزائرية. لا ننسى الجرائم الأخرى من اغتصاب وقتل جماعي ونفي وتعذيب وغيرها، وهي سلسلة طويلة لا يمكن حصرها بسهولة.
فرنسا لا تريد الاعتراف رسميًا بجرائمها في الجزائر، ليس هروبًا من المسؤولية فحسب، بل خوفا على أبنائها من الجيلين الرابع والخامس الذين وُلدوا بعد حرب التحرير. فحين يكتشف هؤلاء أنّ الرموز التاريخية والمعالم التي درسوا عنها في مدارسهم ما هي إلاّ مجرمون وقطّاع طرق وقتلة وشذّاذ آفاق، سيحدث شرخ كبير في الذاكرة الجماعية الفرنسية، وهذا ما تخشاه الدولة الفرنسية اليوم.
بالنسبة للجزائر، أليس من الأجدر، بدل انتظار اعتراف فرنسا، بذل جهد أكبر للخروج من السردية الاستعمارية والعمل على ترسيخ سردية وطنية مستقلة؟
نعم، هناك اليوم جهد معتبر في الجزائر، سواء من طرف المؤسّسات الرسمية أو مراكز البحث والدراسات الأكاديمية أو حتى من خلال الإعلام، الذي نعرف جميعًا أهميته في كشف جرائم الاستعمار. نحن ندرك تمامًا قيمة الصورة في هذا الإطار.
صحيح أنّ هناك عملًا مهمًا يُنجز، لكنّه لا يكفي، لأنّ جرائم الاحتلال الفرنسي لا تُعدّ ولا تُحصى، وهي جرائم عابرة للحدود. ربما نحن الشعب الوحيد الذي عرف هذا النوع من الجرائم، لأنّ ما ارتكبته فرنسا ضدّ الشعب الجزائري تجاوز الجغرافيا الجزائرية، وامتد ّإلى دول أخرى، بل وحتى إلى داخل فرنسا نفسها.
هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، لأنّها كانت تُرتكب يوميًا طوال فترة الاحتلال. لذلك نحن بحاجة إلى سنوات من البحث وفِرق علمية متخصّصة لجرد كلّ هذه الجرائم وتوثيقها بدقّة.
كان هناك مبادرات مشتركة بين الطرفين للحديث عن ملفات الذاكرة، لكنّها في كلّ مرة تصطدم بالتعنّت الفرنسي. ألا ترون أنه لم يعد هناك جدوى من الاستمرار في طلب الاعتراف؟
الهدف ليس هو طلب الاعتراف من فرنسا، بل جرد هذه الجرائم وتوثيقها، وهذا ما تم في المرحلة الأولى، خاصة فيما يتعلق بالقرن التاسع عشرنحن نعرف بعض المحارق والجرائم الكبرى، لكن هناك جرائم أخرى خفية لم يتم التطرق إليها بعد، بما فيها جرائم نهب التراث والممتلكات والمخطوطات والأرشيف. الهدف الأساسي هو إبرازها وتسليط الضوء عليها، لتأتي بعدها مراحل أخرى.