
هل يمكن أن نتوقّف عند أهمّ الشواهد التي تبرز الوجود الحضاري الجزائري في الحضارة الإنسانية؟
من الجانب الفلسفي، يمكن الحديث عن لحظة أوغسطين، مهما يكن فيلسوفا أو لاهوتيا مسيحيا، لكنّه عاش وولد في الجزائر وله علاقة بالجزائر، يمكن الإشارة إلى أستاذ بن خلدون، محمد بن براهيم الآبلي، الذي أشاد به بن خلدون ولا يعرفه الجزائريون، نشير إلى لحظة الأمير عبد القادر وأثره عالميا وإنسانيا.
في الفكر المعاصر هناك الكثير من اللحظات المهمة، التي تحتاج إلى إضاءة لأنّ لها قيمة في حدّ ذاتها، مثل لحظة الحركة الوطنية والدفاع عن الحق في الوجود، وعبد الحميد بن باديس مثلا ونصوص الحركة الوطنية التي تندرج كلّها في الدفاع عن الحق في الوجود، بعد الاستقلال الحق في التميّز ومالك بن نبي ومولود قاسم نايت بلقاسم، أو النبهاني قريبع لحظات مهمة ولا نعرفها جيّدا، ومحمد أركون الذي يبقى لحظة فارقة وهو مفكّر جزائري معروف ومتداول عالميا ومحل جدل ونقاش.
هناك لحظات كثيرة يجب الاهتمام بها ستساعدنا في رسم صورة فكرية وثقافية للجزائر. مثلا الآخر عندما يتحدّث عن العالم العربي وكأنّه يقوم بقفزة من تونس إلى المغرب دوما، وكأنّه ما بين تونس والمغرب لا يوجد شيء، مع أنّه موجود وهذا ليس تطفّلا على التاريخ ولا استجداء له، هي موجودة فقط لا نعرفها والتقصير منا والأحسن أن نُحمِّل أنفسنا المسؤولية، لأنّه لو فرضنا هذه الصورة لما استطاع أن يتجاوزها الآخر.
كيف يمكن أن نضيئ على الاشعاع الحضاري الجزائري؟
يجب أن نَرجع لها تاريخيا ونحاول أن نرسم صورة، وفي الحقيقة هذه الصورة عناصرها موجودة، ووظيفتنا هي جمع هذه العناصر لتشكيل هذه الصورة التي تستحقها الجزائر، وبسهولة سنجد أثرا كبيرا في الجزائر، فقط هو غير معروف أو غير متداول، ومهمة المثقف في هذا الراهن وتماشيا مع فكرة الملتقى “الجزائر في الحضارة” هي محاولة رسم هذه الصورة التي تجعلنا عنصرا فعّالا في الراهن ليس منفعلا ولا مستهلكا فقط للفكر، ولكن عنصر بإمكانه أن يضيف ويحضر بأفكاره الخاصة وبتميّزه الفكري.
هذا بالنسبة للمثقف، فبرأيكم ما هي الاستراتيجية التي يمكن أن تتبعها الدولة من أجل إحياء ميراث أعلامنا وبناة الحضارة عندنا؟
هذه وظيفة مشتركة بين المثقف والمؤسّسة الرسمية أو الوصاية، هذا المشروع يحتاج وقتا، ويجب أن تقوم هذه الاستراتيجية على الأقل على المدى المتوسط، ويكون هناك استغلال للخبراء حتى لا يكون هناك نوع من الفلكلور أو الارتجال وأن يوكل الأمر لأهله في شكل فرق بحث أو مخابر بحث وإشراك مختلف المؤسّسات التي لها علاقة بهذا الموضوع، وتقسيم العمل وفق حقب تاريخية، هناك أثر للجزائر في التاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر، ويتم نشر هذه الأعمال بما أنّنا في عصر الصورة في شكل أشرطة وثائقية ومنصات فكرية وإلكترونية أو في شكل موسوعات وسلسلة أعلام، فقط أركّز على التخصّص والجدية والوقت الكافي.
أي دور للمنظومة التربوية والجامعة في إبراز المساهمة الجزائرية في الحضارة الإنسانية؟
لو نطّلع على المناهج التربوية نلاحظ وجود نصوص لمفكّرين من خارج الجزائر خاصة المشارقة، وفي كثير من الأحيان أصحاب هذه النصوص مستواهم عاديّ، لدينا في الجزائر من يضاهيهم مستوى وربما أحسن، فلماذا لا يتم التحوّل إلى إدراج نصوص جزائرية لتكوين الطفل من البداية على معرفة الذات والاعتداد بذاته أمام الآخر، حتى لا يتشكّل عنده مركب نقص.
لو نسأل التلميذ عن أعلام الجزائر في الابتدائي لا يعرفهم، لكن يعرف بسهولة طه حسين والعقاد والشعراء الجاهليين، في المقابل لا يعرف أنّ الأمير عبد القادر شاعر وأوّل رواية ظهرت في الجزائر، فالإنتاج الفكري للجزائر غير معروف او غير مدرج، فمهمة المؤسّسة التربوية أن تدرج هذه النصوص والإشارات لأعلام الجزائر، وهذا ليس انغلاقا، لكن حتى يكون هناك توازن، التلميذ يتكوّن حتى يعرف ذاته تاريخه وحضارته وفكره وإسهامات الجزائر وينفتح على الآخر شرقا غربا. لأنّ العالم قرية ويجب أن نعرف معالم هذه القرية، لكن قبل ذلك يجب أن نعرف ذاتنا حتى لا نتيه في هذه القرية.