
حافظ الصالون الدولي للكتاب بالجزائر في الطبعة الثامنة والعشرين، على مكانته كأكبر تظاهرة ثقافية في البلاد من حيث الإقبال الجماهيري، حيث شهدت أروقة المعرض توافد عشرات الآلاف من الزوّار من مختلف الفئات الاجتماعية والأعمار، في مشهد يؤكّد استمرار علاقة الجزائريين بالكتاب رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتغيّر أنماط القراءة في زمن الرقمنة.
رغم أنّ أغلب الناشرين أشاروا إلى تراجع المبيعات مقارنة بالسنوات الماضية، إلاّ أنّ الحضور الكثيف للجمهور اعتُبر مؤشّراً إيجابياً على حيوية المشهد الثقافي. فقد أوضح مدير منشورات “بهاء الدين” أنّ الإقبال الجماهيري على الصالون يمثّل “ظاهرة صحية تعبّر عن وعي القارئ الجزائري وتمسّكه بالكتاب الورقي”، مشيراً إلى أنّ داره شهدت طلباً ملحوظاً على كتب الحركة الوطنية والتاريخ، إلى جانب مؤلفات فكرية وأكاديمية متنوّعة منها كتب في الإخراج السينمائي، والفن، إضافة إلى عناوين علمية باللغة الإنجليزية موجّهة لطلبة الرياضيات في طور الماستر.
كما سُجّل اهتمام خاص بكتب الفكر السياسي مثل “نهاية زمن بوتفليقة” لرياض صُداوي، وكتب أخرى تبحث في الهوية والذاكرة الوطنية.
وفي جناح المؤسّسة الوطنية للفنون المطبعية “إناغ”، أوضح مسؤول الاتصال فاضل زكور أنّ الإقبال كان كبيراً خاصة خلال أيام العطلة، حيث لاقت كتب مثل كتاب “كمال حمادي” للأستاذ عبد القادر بن دعماش و”مدخل إلى علم الفلسفة” لعمار طالبي رواجاً غير متوقع، إلى جانب الكلاسيكيات العالمية التي استفادت من تخفيضات وصلت إلى 40 بالمائة.
لكن الجديد في هذه الطبعة لم يكن فقط تنوّع العناوين، بل في تحوّلات الذوق القرائي لدى الجمهور، خصوصاً فئة الشباب. فقد أوضح مسؤول جناح “ميغا بوستور” أن الصالون لم يعد سوقاً للرواية التقليدية أو الكتاب الديني فقط، بل أصبح مرآة لاتجاهات قرائية جديدة فرضتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة. فقد برز اهتمام واضح بالكتب التي تتناول الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، وعلم النفس الرقمي، إلى جانب روايات الرعب والجريمة والعوالم الغربية، التي يجد فيها الشباب صدى لتجاربهم الرقمية.
في المقابل، برزت في هذه الدورة أسماء جديدة من الكتّاب الشباب الذين انتقلوا من منصات التواصل الاجتماعي إلى عالم النشر الورقي. هؤلاء استثمروا شهرتهم الرقمية وتفاعل متابعيهم على “إنستغرام” و”تيك توك” و”يوتيوب”، لتحويل أفكارهم إلى روايات ومجموعات قصصية تمزج بين الواقعي والافتراضي، وبين الأدب الشعبي والخيال العصري. وقد شكّل حضورهم في الصالون حدثاً لافتاً، وجذب جمهوراً من القرّاء الجدد الذين تعرّفوا عليهم أوّلاً عبر الشاشات الصغيرة.
هذا التفاعل بين الكاتب الرقمي والقارئ الشاب أعطى الصالون نَفَساً جديداً يعكس تحوّل الثقافة من النخبوية إلى التشاركية، ومن الورق وحده إلى فضاء أوسع تتكامل فيه الوسائط. وبينما يرى بعض الناشرين في هذه الظاهرة تحدياً، يعتبرها آخرون فرصة لإعادة إحياء سوق الكتاب وربط الجيل الجديد بالقراءة عبر لغته وأدوات عصره.
كما سجّل الصالون أيضا إقبالا على الكتب باللغة الانجليزية حتى لدى الأطفال خاصة مع التغيّرات التي مسّت المنهج التربوي. اعتبر العديد من الناشرين الذين تحدثنا إليهم أن هذه التغيرات ظاهرة صحية تؤكد أن المجتمع حيّ، فالصالون الدولي للكتاب يواصل إثبات مكانته كمرآة لنبض المجتمع وتحوّلاته الثقافية، حيث يتقاطع فيه الأجيال والاتّجاهات والأذواق .