
أبرز المتدخّلون في ندوة “الهوية الوطنية الجامعة والموحِّدة من نوميديا إلى اليوم” المنظّمة ضمن فعاليات البرنامج الأدبي والثقافي للطبعة 28 لصالون الجزائر الدولي للكتاب، أهم معالم الهوية الجزائرية المتعدّدة والقوية في تعدّدها بأبعادها المختلفة. مؤكّدين أهمية البعد الأمازيغي الضارب في أعماق التاريخ.
تطرّق المدير العام للمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية عبد العزيز مجاهد إلى موضوع الهوية انطلاقا من رؤيته وعلاقته بالحركة الوطنية وأوّل نوفمبر، وقال إنّ “أوّل نوفمبر يوم مشهود، لأنّه يشهد على تاريخ بعمق آلاف السنين، وهو مبرهن عليه”، مضيفا أنّه اعتبارا من موقع الجزائر في البحر الأبيض المتوسط، كنافذة على أوروبا وبوابة لإفريقيا فـ”جغرافيتنا تُسطّر وتكتب تاريخنا، لأنّ التحرّكات البشرية تجعل الكلّ يمرّ من عندنا”.
كما عرج مجاهد في حديثه على ماسينيسا الذي وحّد نوميديا بثلاثة قرون قبل المسيح وأسّس دولة قبل تأسيس الدولة الفرنسية، وكان يستعمل اليونانية والبونيقية كما كان يعمل على مستوى يتماشى مع المحيط الدولي آنذاك، وأضاف أنّ ماسينيسا لم يؤثّر في الجزائر فقط بل خارج المنطقة والقارة كلّها، داعيا الى إعطاء هذه المراحل القيمة التي تستحقها كما حثّ على دراستها من كلّ جوانبها.
كما ذكر مجاهد خصائص الإنسان الجزائري وقال “في عاداتنا وتاريخنا وفي تقاليدنا وأعرافنا، هناك أشياء نتميّز بها عن الأخرين عن اضطرار او اختيار، منها الإخاء والأخوة والتآخي وهي ميزة نفتخر بها”، والميزة الثانية استشهد في الحديث عنها بقول زيغود يوسف “هذا الشعب شعب عظيم التزامه دائم واستعداده بلا حدود بحاجة إلى قيادة تكون في مستواه وتستحقه حتى تأخذ بيده إلى برّ الأمان “، ودعا في الأخير إلى أن نرى أنفسنا في المرآة ونقف على عيوبنا ونصحّحها وكلّ مرة نخطئ فيها ونعالج الخطأ لنتوجّه إلى شيء آخر .
من جهتها، أكّدت أستاذة علم الاجتماع بجامعة وهران مباركة بلحسن أنّ موضوع الهوية مهم، لكنّه دقيق وشائك، وترى في مقاربتها كباحثة في علم الاجتماع والانتروبولوجيا، أنّ الهوية تحتاج الى جغرافيا أو فضاء لتبنى عبر استراتيجيات معينة، وتساءلت المتحدّثة كيف وصلنا الى جزائريتنا الآن، هذه الجزائرية التي علينا أن لا نراها كأحادية بل هي هوية وطنية شاملة، لكنّها تتغذى بثقافات وممارسات ثقافية واجتماعية واقتصادية وتاريخية وغير ذلك، لتغذي هذا الشعور بالانتماء الذي نشعر به بفخر.
وأكّدت المتدخّلة أنّه عندما نتحدّث عن جزائريتنا نتحدّث عن الروح المتوسطية والروح الافريقية، وأشارت إلى أنّ الروح المتوسطية وجدت كلّ الاهتمام في مقابل انتمائنا الافريقاني الذي كان مهملا بشكل واضح، مضيفة أنّه لنفهم جزائريتنا يجب أن نفهمها بهذه الانتماءات التي تغذي هويتنا الجزائرية، لتؤكّد أنّه لا يمكن فهم هويتنا الثقافية كأحد معالم الهوية الوطنية بمعزل عن الثقافة الإفريقية عموما، مع العلم أنّ بلدان الساحل هي البوابة الرئيسية التي تربط هويتنا الثقافية الجزائرية كانتماء للافريقانية كهوية أعم وأكبر وهذا الانتماء تقول “يزيدنا قوّة ولا يضعف هويتنا، الفضاء الصحراوي الإفريقي كان له دور مهم وكبير وأساسي في بناء الهوية الوطنية الجزائرية الشاملة والواحدة الموحّدة”. والهوية عند مباركة بلحسن هي “النحن” لكن هذا “النحن” لا يمكن أن نعزله عن الآخر ووجودنا “كنحن”، لأنه يوجد الآخر المقابل، مضيفة أنّ صناعة “النحن” لا يمكن أن تكون معزولة، فالجزائرية عندها جسور تواصلها مع دول افريقية أخرى، “النحن” الجزائري بني في علاقته مع هذا الافريقي الذي نتشارك معه مع بعض الملامح السوسيو-ثقافية ونختلف عنه في بعض الملامح الثقافية والانتروبولوجية لأنّ الجزائر أيضا عندها بعد متوسطي يغذي هذه الهوية الجماعية أو الوطنية.
أما الأستاذ والباحث محند ارزقي فراد فتناول موضوع “البعد الأمازيغي في نشاط الحركة الإصلاحية الفكرية الجزائرية من 1920 إلى 1954 ” وقال إنّ الفكر الإصلاحي الذي يعنيه هو تلك الجهود الفكرية والتربوية والتعليمية والتنويرية التي قام بها بعض العلماء قبل وبعد تأسيس جمعية العلماء الجزائريين من أجل الخروج من بؤرة الجهل وصيانة هوية الأمة الجزائرية وإنقاذها من المسخ الاستعماري، وقد تطلّبت هذه المهمة مراجعة النفس للقيام بالنقد الذاتي واقتنع العلماء أنّ الإشكال يكمن في المنظومة التربوية التي عجزت عن مسايرة التطوّر، وإذا كان من إصلاح فكري يوقظ الأمة من سباتها العميق ويحرّر العقل.
وذكّر فراد بروّاد الإصلاح من بينهم الشيخ السعيد أبو يعلى الذي ألّف كتاب “ّتاريخ الزواوة” الذي يعتبر مظهرا من مظاهر المقاومة الفكرية للاستعمار الفرنسي، وهو كتاب وصفه بـ”المهم جدا” وهو محاولة من أجل تقويض أركان المدرسة الكولونيالية التي كانت تَدّعي أنّ أصول سكان شمال افريقيا تعود إلى بلاد الغال، كما أشار إلى أنّ أبو يعلى الزواوي لا يرى مضاضة في الاستعانة باللسان الأمازيغي في دروس الوعظ، كما تحدّث عن كتاب الأستاذ عبد الرحمان الجيلالي بعنوان “تاريخ الجزائر العام” الذي تحدّث فيه عن البعد الأمازيغي في الشخصية الجزائرية لتأكيد عراقة الأمة الجزائرية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، وأبرز المتدخّل مواقف عديدة خلال فترة 1920 الى 1954 مُنوّهةٌ بأهمية البعد الأمازيغي في الشخصية الجزائرية بأقلام العلماء المصلحين من بينهم مبارك الميلي وتوفيق المدني وعبد الحميد بن باديس ومحمد الصالح رمضان والشيخ سحنون وغيرهم .