
سلّط الصالون الدولي للكتاب في طبعته الثامنة والعشرين، الضوء على سردية جديدة في الأدب الجزائري، وهي الرواية الصحراوية، أو الرواية التي تتّخذ من الصحراء فضاءً للسرد والحكي.
الكثير من تلك النصوص التي ظهرت في السنوات الأخيرة لاقت قبولاً كبيراً من طرف القرّاء والنقّاد، خاصة وأنّ العديد منها تمكّن من نيل جوائز عربية ووصل بأصحابها إلى دائرة الضوء. نجد اليوم الكثير من تلك الأسماء التي قدّمها المعرض، مثل عبد الله كروم، محمد الصديق حاج أحمد، جميلة طلباوي، علي ميموني، محمد أقمامة، وغيرهم، يتّخذون من الصحراء خلفية لإبداعهم الروائي..
يرى البعض أنّ هذه السرديات الجديدة أعادت الدفء والحيوية للرواية الجزائرية، خاصة وأنّ الكثير من النصوص الشبابية التي تُكتب مؤخراً صارت غارقة في عوالم الجماد والآلية والبرود. حيث يرى اليامين بن تومي أنµ النصوص الصحراوية استطاعت إعادة الحميمية والنوستالجيا للنصّ الجزائري.
لعلّ ما يجعل النص القادم من الصحراء محل استقطاب وترحيب نقدي وقرائي، يعود جزئياً إلى كون هذه البيئة ما تزال خاما وغير مستهلكة، حسب الكاتب علي ميموني من ولاية تندوف، الذي يشير إلى أنّ الطبيعة الصحراوية بكل أسرارها غنية بالحكايات والقصص، كما هي غنية بالتراث والأماكن التي تصلح أن تكون خلفية إبداعية سواء من ناحية السينما أو صناعة المحتوى أو الكتابة. فالصحراء، حسب علي ميموني، ليست مجرد قفار أو مكان ممتد، بل هي محمولة بالمعنى، وحضارات وتاريخ يُروى..
بالنسبة للروائي والأكاديمي عبد الله كروم، فإنّ ما يجعل النصّ الصحراوي اليوم محلّ أنظار هو كمية الدهشة والعجائبية في هذه النصوص، التي تجعلها مختلفة عن غيرها، إضافة إلى الاشتغال على الأسطورة والمفارقات، مثل مفارقة الجوع والعطش، ووجود القرى والواحات التراثية. كل هذا الزخم يجعل النص الصحراوي دافئاً ويغري بالاكتشاف، لأنّه مختلف عن النص الذي تنتجه المدينة. النص الصحراوي، كما يقول كروم، يعيد النظر في مقولة لوكا تش حول كون الرواية هي “ابنة المدينة”.”.
نفس الفكرة يتقاسمها القاص بن أحمد محمد القادم من أدرار، لتوقيع مجموعته القصصية في جناح دار الدواية “الوَحل والأحاجي”، حيث يرى أن الصحراء غنية بالقصص والحكايات، وفيها زخم فكري وتراثي يجعلها اليوم محل أنظار. فهذا النص القادم من أقاصي الفراغ غير مألوف لقارئ الشمال لأنه مليء بالأسرار، وهذا ما يجعله مطلوباً..
أما بالنسبة للصديق حاج أحمد، فإنّ النص القادم من البيئة الصحراوية يتوفر على بصمة تختلف عن النص الذي تنتجه بيئة الشمال؛ فهو نص يتسم بالانفتاح على عوالم الغواية، لأن الصحراء أيضاً لها أسرارها. كيف يُمنح الإنسان القدرة على ترويض الفراغ والصمت وقساوة الطبيعة؟ هذا ما يصنع سحر النص، وهي وظيفة الكاتب والروائي في النهاية، أن يحوّل هذا العنف الرمزي إلى نص جمالي يثير الدهشة..
.