
في إطار البرنامج الفكري لصالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته الثامنة والعشرين، كان لمجلة الصالون هذا الحوار مع الأكاديمي والروائي علاوة كوسة، الذي شارك في منصة “تجارب روائية” إلى جانب عدد من الكتّاب الجزائريين. فتحدّث عن أزمة النقد الأكاديمي العربي، وعن “موضة” النقد الثقافي، كما يقدّم رؤيته لمفهوم التناص وحضوره الديني في أعماله السردية.
ما رأيكم في الدعوات إلى تحرير النقد من الصرامة الأكاديمية، خاصة مع تراجع المنهج لصالح المقاربة؟
هو نقاش مفتوح وسيبقى كذلك لعقود طويلة، وستتناوله عقول نقدية كبيرة في المستقبل. الواقع يقول إنّ النقد الأكاديمي ما يزال بعيدًا عن توقّعات الكتّاب، بل وحتى عن النقّاد أنفسهم، إذ نجد من لا يفهم النقد الأكاديمي إلاّ كجملة من القواعد الجامدة، ونجد من لا يستطيع الاقتراب من النص إذا ابتعد عن الإطار النظري. السؤال الأهم هو “ما حاجتنا إلى مقاربات نقدية تحتفي بالنظرية وتعجز عن قراءة النص؟”.
نحن في حاجة إلى نظرية نقدية تنطلق من النص العربي نفسه وتبحث في خصوصياته، بدل أن نستورد نظريات غربية تُسقط على نصوصنا وتغتصبها معرفيًا. أمامنا عمل جاد لتحرير النقد العربي من الانغلاق، وهناك استثناءات في الساحة الجزائرية لنقّاد حملوا الحسّ الإبداعي داخلهم، فكتبوا بقلمين، قلم النظرية وقلم الإبداع.
ما رأيك في “موضة” النقد الثقافي، إن صحّ التعبير؟
الدراسات الثقافية هي نتاج غربي خالص، حاول بعض النقاّد العرب، مثل عبد الله الغذامي، أن يكونوا عرّابيها في العالم العربي. غير أنّني لا أعتقد أنّنا استوعبنا فعلاً هذا التوجّه، لأنّ المنطلقات الغربية لا يمكن أن تقارب منجزًا عربيًا بمرجعياته المختلفة.
لذلك أرى أنّ موجة النقد الثقافي أشبه بموضة فكرية قد لا تدوم طويلاً. هناك قلة قليلة من النقّاد العرب وعَت ما هو النقد الثقافي، والأقل منهم من طبّقه فعلاً على النصوص الأدبية. كثيرون لجأوا إليه هربًا من المناهج النسقية والسياقية التي لم يستطيعوا توظيفها بعمق، فكان النقد الثقافي بالنسبة لهم ملاذًا سهلاً لا مشروعًا معرفيًا.
ألا ترى أن “التناص” يُلغي البصمة الفردية للمبدع ويخدم مقولة “موت الكاتب”؟
موضوع التناص أعمق من التنظيرات الجامعية التي تُدرّس أحيانًا بمعزل عن الممارسة. أنا أرى أنّ الإنسان كائن تناصي في جوهره، لأنّه يعيش في حوار دائم مع الآخرين ومع النصوص السابقة. فذواتنا في النهاية هي نصوص مفتوحة على نصوص أخرى.
الحديث عن التناص هو حديث عن علاقة الكاتب بالعالم والكون قبل أن يكون علاقة نصية فقط. ومع ذلك، يجب على كلّ كاتب أن يكتب نصّه الخاص ويحافظ على مسافة الأمان بينه وبين الآخرين، لأنّ التناص غير الواعي يمكن أن يتحوّل إلى تلاصٍ يفقد معه الكاتب صوته الأصلي.
لماذا يظهر التناص الديني بشكل واضح في إبداعاتك؟
هذا الحضور لا يقتصر على الرواية، بل يمتدّ إلى كتاباتي الشعرية والمسرحية وأدب الأطفال أيضًا. لا أدّعي تكوينًا دينيًا أو انغلاقًا على الوسط الديني، لكن يبدو أن ّالتراث الديني يعيش في لاوعيي الإبداعي..أنا لا أكرّر النصوص الدينية أو أتعامل معها بشكل جامد، بل أحاول امتصاصها وتحويرها فنيًا لتتحوّل إلى طاقة رمزية في النص.
وإذا أردت الصراحة، فأنا كسارد أدرك أنّ القَصص القرآني من أرقى المنابع السردية التي يمكن التوقّف عندها، وقد ترك أثرًا عميقًا في تجربتي الكتابية، وأنا سعيد بأن يكون جزءًا من عالمي الإبداعي.