ندوة “التاريخ في الرواية”..علاقة متينة ومتشعبة..غير قابلة للفصل

ضمن البرنامج الثقافي المصاحب للصالون الدولي للكتاب الثامن والعشرين نظّمت يومية “الشعب”، أمس الاثنين، ندوة بفضاء “غسان كنفاني”، تناولت موضوع “التاريخ في الرواية”، بمشاركة الناقد محمد ساري، الكاتب فيصل الأحمر، والدكتورة نجوى منصور، الذين أبرزوا العلاقة بين التاريخ والرواية، وتداخلهما على ضوء المعطيات الموجودة واقعا سواء من خلال الكتابات أو الآراء.

قدم محمد ساري، بعض الآراء النظرية، معتبرا أنّ الرواية ارتبطت منذ زمن طويل بالتاريخ، بداية من أوّل ملحمة في التاريخ وهي ملحمة “هوميروس”، التي روت أحداثا تاريخية يونانية، سواء الحروب أو الشخصيات، حيث أخذت وصيغت صياغة شعرية، بطريقة أدبية جيّدة، حتى أصبحت الأجيال تتناقلها جيلا عن جيل، وترجمت لكل العالم. مبرزا أن المحاكاة تنقسم إلى قسمين، الكائن وما ينبغي أن يكون، فالتاريخ يحاكي ما هو كائن أي ما حدث فعلا، بينما الأدب يحاكي ما ينبغي أن يكون.

عن العلاقة بين الرواية والتاريخ، قال ساري إنّ الرواية في بنيتها شبيهة بالتاريخ في شيئين مهمين، أوّلا، الشخصيات، وكذلك الأحداث، فهما يشتركان في هذين العنصرين، ومنه استثمرت الرواية كثيرا في الأحداث التاريخية، على حدّ تعبيره، بل ذهبت إلى أبعد من هذا، وهو خلق جنسا أدبيا، يسمى “الرواية التاريخية”، التي لا تهتم إلاّ بالأحداث التاريخية دون غيرها.  كما قسم التاريخ إلى قسمين، التاريخ الذي يذكر الأحداث وأصحابها، والتاريخ المغفل عنه أو الصغير أو التاريخي الاجتماعي والسياسي، دون ذكر شخصيات تاريخية معروفة، ذاكرا أنّ الرواية تهتمّ في أساسها بهذا التاريخ الاجتماعي والسياسي. وقدّم أمثلة عن الرواية الجزائرية التي قدّمت تاريخا معروفا. ليخلص إلى أنّ العلاقة بين التاريخ والرواية متينة جدا ومتشعّبة.

 في حين بدأت الدكتورة نجوى منصور، مداخلتها بملاحظة هامة جدا، وهي أنّ الرواية، لا تعتبر وثيقة تاريخية بأيّ شكل من الأشكال، لأنّ التاريخ يعتمد على الوثائق في حين تعتمد الرواية على الإبداع، وهذا اختلاف كبير، على حد تعبيرها، وتبقى كما أضافت عملا تخيليا، حتى ولو استندت على حقائق ووقائع تاريخية، كما قسمت الرواية إلى ثلاث أنماط، وهي الرواية التاريخية الكلاسيكية، التي تأخذ حدثا تاريخيا معيّنا وتصوّره بأحداثه وشخصيته، والنوع الثاني هو الرواية المتخيّلة ضمن التاريخ، باستغلال فترات عديدة في العصر، وهي الرواية التي تشتغل على فترة تاريخية معينة، على غرار رواية “الحريق”، التي تصوّر ما فعله الاستعمار في الجزائر، وكذا الروايات التي تروي العشرية السوداء التي ترصد ما اقترفه الإرهاب في الجزائر، دون أن نتأكد إن كانت الشخصيات وما حدث معها حقيقيا أو لا، فالزمن هو زمن حقيقي لكن الأحداث متخيلة. أما النمط الثالث فهي التي تعيد كتابة التاريخ من وجهة نظر أخرى مختلفة ومغايرة أو متقاربة، لكن تحور التاريخ الذي عهدناه، على حد تعبيرها، فهي بذلك تحاول تصحيح مسار تاريخي من وجهة نظر شخص ما، على ضوء معطيات جديدة مثلا، لتخلص إلى أنّ الروايات تستند على التاريخ في مجملها، لأنّ من معايير قيام الرواية هو الزمن فلا يمكن فصلهما، ومنه لا يمكن فصل الرواية عامة عن التاريخ مهما كانت العلاقة بينهما.

أما الأديب والناقد فيصل الأحمر، فذكر في العلاقة بين الرواية والتاريخ، أنّها تقوم على مبدأ مثلما يقال للضيف “تصرّف كأنّك في بيتك، لكن لا تنسى أنك في بيتي”، ومنه تستدعي الرواية التاريخ كأن المكان مكانها، لكنهّا تحافظ على أنها داخله، معبرا أن طبيعة المنبر الروائي، يشبه طبيعة الوسائل الإعلامية، أي لا يمكن قول كل شيء، مؤكدا أنّ المؤرّخ يمكن أن يقول كل شيء لأنّ جمهوره محدود، وذكر كذلك أنّ الروائي يجب أن يقول كل شيء داخل روايته، لأنه أمام جمهور موسع. كما أشار إلى أن تفاعل الجمهور مع الرواية، حتى ولو وصل الأمر إلى ردود فعل عنيفة فهي ظاهرة صحية، يرحب بها، على حد قوله، وهو ما حدث مع رواية ” حيزية” “لواسيني الأعرج مثلا، لأن الجزائر تحتاج إلى تربية ثقافة الجدل. كما يعتبر الجدل الذي يحدث على هامش الرواية على غرار الرواية التاريخية، هو من أجمل الجدالات الحاصلة في الساحة الثقافية، معرجا في مداخلته على كيفية صناعة التاريخ الكبير والتاريخ الصغير، والفرق بينهما، أن التاريخ الكبير هو تاريخ صغير يجمع الناس من حوله، تشحذه المنابر، يتكرّر على حدّ تعبيره.