
يُعدّ القاص عبد القادر المجبري من الأصوات السردية الشابة التي برزت من الجنوب الجزائري، وقدّم عبر مجموعتيه “تغريدات تواتية” و”لو سكتت القصور الطينية عن الكلام المباح” تصوّراً خاصاً لتجربة الكتابة في فضاء الصحراء، بوصفها موطناً للحكاية وللذاكرة الإنسانية. في هذا الحوار، يتحدّث المجبري عن تجربته الإبداعية، ورهانه على القصة القصيرة، ومساره بين الطب والدراسات النقدية.
بداية، بما أنك من الأقلام الشابة التي سردت الصحراء، حدثنا عن تجربتك مع الكتابة؟
تجربتي وإن بدت قصيرة في المدى الزمني، إلاّ أنّها وليدة تراكم قرائي يمتدّ لأكثر من عشرين سنة. هذه القراءات تخمّرت في الوعي واللاوعي، فكوّنت أرضية خصبة لانبثاق الفعل السردي. وعندما تأتي لحظة الكتابة، أشبّهها بلحظة الطلق الإبداعي، إذ تنبثق القدرة السردية تلقائياً مدعومة بالأدوات التي راكمها القارئ والإنسان في داخلي. لذلك، أرى أنّ كلّ نص هو نتيجة حياةٍ قرأَت نفسها طويلاً قبل أن تكتب.
من الطب إلى الدراسات النقدية والأدبية… كيف تمت هذه الانتقالة؟
الحقيقة أنّ الإبداع سبق الطب. الكتابة كانت موجودة في حياتي قبل أن أقرّر دراسة الطب، غير أنّ التحدي كان دائماً حاضراً. أتذكّر أنني حضرت بعض الأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية، وسمعت من يقول “ما الذي جاء بطبيب إلى ميدان الأدب؟”، فكان ذلك حافزاً كبيراً لأتحدى هذه النظرة. لذلك التحقت بتخصص الأدب والدراسات النقدية كتخصص ثانٍ، واليوم أنا على مشارف مناقشة الدكتوراه في هذا المجال. أعتقد أن الأدب والطب يلتقيان في نقطة أساسية: كلاهما يشتغل على الإنسان، أحدهما بجسده والآخر بروحه.
ما هو رهان القصة في الصحراء، من وجهة نظرك؟
القصة في الصحراء ليست ترفاً فنياً، بل فعل بقاء إنساني. البيئة الصحراوية عُرفت بالقص منذ القدم، لأن العزلة التي كانت تعيشها فرضت نوعاً من التواصل الشفهي الذي يقوم على الحكاية. فـ”القص” في الصحراء كان ضرورة لملء السهرات الطويلة، وسبيلاً للحفاظ على الذاكرة الجمعية. يمكن القول إنّ القصة وُلدت في الصحراء قبل أن تُدوَّن في المدينة، وما تزال تمارس وجودها كلّما واصل الإنسان الصحراوي حكاية تجربته مع الحياة والمكان والزمان.