
تناول عدد من الباحثين والأكاديميين من الجزائر، موريتانيا والصحراء”، أمس الاثنين بقاعة المحاضرات الكبرى “آسيا جبار” موضوع “المرجعيات المشتركة”، وحاولوا تسليط الضوء على أهم ما يجمع البلدان الثلاثة لا سيما في المجالين الديني والثافي.
في هذا السياق، قدّم الدكتور الموريتاني محمد يحي باباه مداخلة بعنوان “موريتانيا والجزائر: قرون من التفاعل والعطاء الحضاري المثمر” قدّم فيها رؤية عميقة حول الجذور الثقافية والروحية المشتركة بين البلدين، مؤكداً أن العلاقة البينية بين الجزائر وموريتانيا ليست تواصلاً بين ثلاث انتماءات متجاورة، بل هي في حقيقتها انتماء واحد نابع من مرجعية حضارية وإسلامية موحدة.
أوضح الدكتور باباه أن الثقافة الإسلامية في بلاد شنقيط كما في الجزائر تتأسس على ثلاثة أبعاد كبرى شكّلت ملامح الهوية الدينية والفكرية في الفضاء المغاربي، وهي، البعد العقدي الأشعري الذي يجمع بين الإيمان والعقل، لبعد الفقهي المالكي الذي يوازن بين النص والمصلحة، والبعد الصوفي الجنيدي الذي يمنح التجربة الروحية عمقها الإنساني.
وبيّن أن هذه الأبعاد تمثل المحاور الثلاثة الكبرى للثقافة الإسلامية: الأصولي العقدي، والعملي الفقهي، والروحي اللاعقلي، وهي التي كوّنت ما وصفه بـ”البنية العقلية المشتركة” بين شعوب المنطقة. كما أكد أن الزوايا والمدارس العلمية في الجزائر وبلاد شنقيط كانت عبر القرون جسوراً للمعرفة والتواصل الروحي، تخرّج منها علماء نشروا قيم الوسطية والتسامح والإصلاح في المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء.
وختم الدكتور باباه مداخلته بالتأكيد على أن هذه المرجعيات العقدية والعقلية تمثل اليوم أساساً لوحدة الوعي المغاربي، وتؤهل الجزائر وموريتانيا لمواصلة دورهما في تعزيز الحوار والتكامل الحضاري، انطلاقاً من تاريخ طويل من التفاعل والإشعاع الثقافي المشترك.
الثقافة جبهة مقاومة وهوية صامدة
من جهته، تناول الأستاذ حمدي علال الداف دور الثقافة في المقاومة وحماية الهوية، مبرزاً أن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل سلاح فعّال ضدّ الاستعمار إذا أُحسن توظيف عناصرها الأساسية. وأوضح أن المحتل حين يسعى لإخضاع الشعوب يبدأ بمحاربة لغتها وثقافتها، لأنها تمثل روح الأمة وذاكرتها الحية.
وبيّن أن الثقافة تمتلك أسلحة مادية وغير مادية، تمتد من خيمة الشعر والحكم والأمثال إلى الشعر الملتزم، والأغنية، والمسرح، واللهجة الحسانية، التي اعتبرها حاملة لروح المقاومة ووسيلة لحفظ الأصالة. كما شدّد على أن نجاح المواجهة الثقافية مرهون بمدى وعي الشعوب بقيمة تراثها وتمسّكها بعاداتها وتقاليدها في وجه محاولات التذويب.
البنية المركزية والفضاء الحسّاني
بدوره، قدّم الدكتور عبد المجيد جاعة من جامعة تندوف قراءة ثقافية في البنية المركزية المشتركة بين الجزائر وموريتانيا، مبرزاً أن العلاقات بين البلدين تجاوزت البعد الجغرافي لتصبح نسيجاً إنسانياً وثقافياً موحداً.
وأشار إلى أن هذا التفاعل أنتج منظومة دلالية غنية تتجسّد في الفضاء الحسّاني، الذي يعدّ نموذجاً حياً للوحدة الثقافية المغاربية، حيث تتداخل الرموز والأنساق في فضاء جامع لتجارب الوجود والمعنى. كما أوضح أن مفهوم “البنية المركزية” هو ما يمنح الثقافة استمراريتها ويجعلها قادرة على تجاوز الحدود السياسية نحو فضاء إنساني أوسع.
الأنساب القادرية… الجسر الروحي
اختتم الدكتور حاج أحمد عبد الله مداخلات الندوة بتناول الأنساب القادرية التي تربط بين أعلام الجزائر وموريتانيا، مبرزاً أن هذه الصلات الصوفية شكّلت جسوراً روحية ساهمت في توحيد الوجدان الديني ونشر قيم المحبة والعلم والتسامح. واعتبر أن الطرق والزوايا القادرية لم تكن مجرّد مؤسسات دينية، بل مراكز إشعاع حضاري حفظت وحدة الوعي المغاربي في أزمنة الاضطراب، وجعلت من الروحانية الإسلامية قاعدة للتقارب الإنساني والثقافي بين الشعبين.
تجلّت من خلال هذه المداخلات المتكاملة رؤية فكرية موحدة تؤكد أن العلاقة بين الجزائر وموريتانيا ليست مجرد تفاعل تاريخي، بل مشروع حضاري مستمر يقوم على وحدة المرجعية الإسلامية والهوية الثقافية. فالثقافة هنا ليست ذاكرة الماضي فحسب، بل قوة فاعلة في بناء المستقبل، تربط بين الوعي والمقاومة، وبين التاريخ والإنسان، في فضاء مغاربي واحد يتنفّس قيم الأصالة والتنوير.