المؤرّخ الأمريكي تود شيبارد في فضاء “فانون”:نواجه استمرارًا فجًّا لمنطق نزع الإنسانية

لا يعود المؤرّخ الأمريكي تود شيبارد إلى أعمال فرانز فانون من باب الاحتفاء بالرموز أو استعادة لحظات النضال المضيئة، بل من أجل تفكيك الأسطورة التي جعلت من فانون مجرّد أيقونة ثورية أو نبيّ للعنف التحرري. فالمتخصص في تاريخ الاستعمار الفرنسي والثورة الجزائرية، يصر على أن فانون كاتب للحرب قبل أن يكون فيلسوفًا مجرّدًا، وأن نصوصه وُلدت داخل سياق محدّد، الاحتلال، الثورة، وانهيار العالم الاستعماري في شمال إفريقيا.

ففي محاضرة “استقلال الشعوب وتفكيك الهيمنة”، المنظمة ضمن البرنامج الفكري المرافق لصالون الجزائر الدولي للكتاب الثامن عشر، في “فضاء البناف”، يرى شيبارد أنّ فانون قد فهم مبكرًا أن الاستعمار ليس مشروعًا اقتصاديًا أو عسكريًا فحسب، بل جهاز نفسي وأخلاقي يشقّ الإنسان من الداخل. في “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”، لا يكتب فانون عن الهوية كمسألة ثقافية فقط، بل كجرح عميق يتركه الاستعمار في الجسد والوعي والرغبة. فالاستعمار، في هذا المنظور، لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل نظرة الإنسان إلى نفسه. ومن هنا يصبح التحرر، كما يقرأه شيبارد، عملية استعادة للذات قبل استعادة الوطن.

لكن الأهم في قراءة شيبارد هو أنّ فانون لم يكن مجرد منظّر للثورة، بل كان أيضًا أول من نقد الدولة الوطنية بعد الاستقلال. ففي “معذّبو الأرض”، يحذّر فانون من طبقة سياسية صاعدة ستتولى السلطة دون أن تغيّر المنطق الذي بُنيت عليه الدولة الاستعمارية: البيروقراطية، المركزية، التحكم في الشعب بدل خدمته. وهذا التحذير، كما يوضح شيبارد، لم يكن تشاؤمًا سياسيًا، بل تشخيص لبنية ستعيد إنتاج الهيمنة تحت علم الاستقلال الوطني.

من هنا ينتقل شيبارد إلى ما يسميه النيُوكولونيالية، أي استمرار الاستعمار بعد الاستقلال، لكن بأدوات جديدة. لم تعد السيطرة تحتاج إلى الجيوش، بل أصبحت تُمارس عبر البرامج الاقتصادية غير المتوازنة، شبكات النخب المعولمة، التعليم واللغة وإعادة كتابة التاريخ.

ويواصل شيبارد بالإشارة إلى أنّه في زمن العولمة، يتداخل هذا النموذج مع النيوليبرالية، حيث تتحوّل الشعوب إلى “موارد”، والثقافات إلى “علامات”، وحقوق الإنسان إلى “بضائع سياسية”. وهنا يعود صوت فانون، كما يقرؤه شيبارد، قائلاً “أيّ تحرّر لا يغيّر بنية الاقتصاد والعلاقات الرمزية سيعيد إنتاج الاستعمار بصورة جديدة”.

وعما يحدث في غزة، يستدل شيبارد أيضا بفانون كأداة فهم، مشيرا إلى أنّ العنف الممارس لا يمكن تفسيره فقط بالسياسة أو الأمن، بل بالعودة إلى سؤال من هو الإنسان ومن يحق له الاعتراف بإنسانيته. حين تُقدَّم معاناة شعبٍ كامل باعتبارها “تفصيلاً جانبيًا”، أو حين يصبح الدفاع عن الحق في الحياة محلّ مساءلة، فإننا نواجه استمرارًا فجًّا لمنطق نزع الإنسانية الذي تحدث عنه فانون. وقال إنّ ما يحدث حاليا هي من مظاهر الكولونيالية الأكثر عنفا وأضاف “العنف الاستعماري فاضح وصادم، ويمكن استحضار ما عاشته الجزائر خلال الاحتلال الفرنسي”. وزاد أنّ النزعة الصهيونية لم تولد مع إسرائيل ولكن مع النزعة الاستعمارية لبريطانيا وأمريكا وفرنسا. قائلا “النيو كولونيالية هي الوجه القاسي للمحتل”.

لا يعتبر المؤرخ الأمريكي لحظة استقلال الجزائر حدثًا سياسيًا فحسب، بل نقطة انعطاف تاريخية أسهمت في إعادة تشكيل الذات القومية الفرنسية نفسها. ويرى صاحب كتاب “اختراع الاستقلال: الجزائر وكيف أعادت فرنسا تعريف نفسها”، أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر لم يكن علاقة خارجية بين دولة ومستعمرة، بل كان مشروعًا يقوم على إدّعاء الإدماج، حيث اعتُبرت الجزائر جزءًا من التراب الوطني الفرنسي. لذلك، فإن انهيار هذا المشروع عام 1962 لم يكن مجرد نهاية استعمار، بل كان صدمة هوياتية ضربت البنية العميقة للفكر الفرنسي حول معنى الأمة والمواطنة.

ويشير الباحث إلى أنّ فرنسا، بعد الاستقلال، وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تخيّل ذاتها، متخلية عن صورتها الإمبراطورية لصالح تعريف قومي ضيق يقوم على هوية أوروبية – بيضاء. هذا التحوّل، حسب شيبارد، لا يعني نهاية الهيمنة، بل تحولها من فضاء عسكري خارجي إلى فضاء اجتماعي وثقافي داخلي، يتجسّد في سياسات الهجرة، وفي تمثيلات العربي داخل المتخيل الفرنسي.

ويُسلّط شِبارد الضوء كذلك على البعد الجسدي والثقافي للهيمنة، خاصة في كتابه “الجنس، فرنسا، والرجال العرب (1962-1979)”، إذ يكشف كيف أصبحت صورة الرجل العربي بعد الاستقلال محمّلة بمعاني الخطر والإغراء في الثقافة الفرنسية، من السينما إلى الصحافة وصولًا إلى الخطاب السياسي. فالهيمنة، وفق هذا التحليل، لا تُمارَس فقط عبر السلاح أو القانون، بل أيضًا عبر تمثيلات الجسد والخيال واللغة.