“صناعة الكتاب في ظل الذكاء الاصطناعي” .. بين حتمية التحوّل وتحديات الإبداع والحقوق

“ما هو مستقبل صناعة الكتاب في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي؟” و”ما هي التحديات الأخلاقية والقانونية التي تحيط بصناعة النشر في زمن زحف التطبيقات التكنولوجية على المجالات الإبداعية؟”، كانت هذه جملة من الأسئلة التي طُرحت في ندوة “صناعة الكتاب والذكاء الاصطناعي” بفضاء فلسطين “غسان كنفاني”، بحضور عدد من الأساتذة والناشرين والأسماء المختصة في المجال، وذلك ضمن برنامج الندوات المرافقة لفعاليات الصالون الدولي للكتاب في طبعته الثامنة والعشرين.

افتتحت الندوة السيدة فاطمة البودي، مديرة دار “العين” المصرية، مؤكّدة أنّ ثورة الذكاء الاصطناعي أصبحت واقعًا لا مفر منه، وبدأت تفرض منطقها على الصناعات الإبداعية في مختلف دول العالم، وليس النشر العربي بمعزل عن هذه التحديات التي أفرزتها التطوّرات المذهلة في عالم التكنولوجيا، وأضافت أنّ أبرز التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مجال النشر، تتعلق بعدّة حلقات في سلسلة صناعة الكتاب، منها التأليف والتحرير والتدقيق اللغوي والترجمة والتصميم.

أشارت المتحدثة إلى أنّ القارئ اليوم يواجه سؤالًا كبيرًا “هل النصوص التي نقرأها من إبداع بشري خالص أم من تأليف الآلة؟”، رغم ذلك، ترى البودي أنّ ثورة الذكاء الاصطناعي، رغم قوّتها وتأثيرها، لا يمكنها إلغاء الإبداع البشري، لأنّ النص الإنساني يحمل روحًا ووجدانًا ولمسة لا يمكن للآلة بلوغها مهما بلغت دقتها، ودعت مديرة دار “العين” في ختام مداخلتها إلى تجاوز التخوّفات من هذه التقنيات ومحاولة الاستفادة منها إيجابيًا لتطوير مهنة النشر، لأنّها، كما قالت، واقع لا مفر منه.

في السياق نفسه، أشار منشّط الجلسة محمد بوقاسم إلى أنّ الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته باتت تفرض ما يسمى بـ “التأليف التوليدي”، موضّحًا أنّ إحصائيات سنة 2024 تشير إلى أنّ ما يزيد عن 15 ألف كتاب تم الاعتماد في تأليفها كليًا أو جزئيًا على الذكاء الاصطناعي.

من جهته، عدّد الدكتور إبراهيم بوداود الأسباب التي تجعل الناشر متخوّفًا من الزحف المستمر لتطبيقات الذكاء الاصطناعي على مجال النشر، منها البعد القانوني المتعلّق بضمان حقوق التأليف والإبداع، والبعد الاقتصادي المرتبط بتقليص الوظائف في هذا المجال، إضافة إلى البعد الثقافي واللغوي الناتج عن هيمنة اللغة الإنجليزية على مجالات الإبداع والنشر.

رغم مشروعية هذه التخوفات، أكّد بوداود أنّه مبالغ فيها، مشدّدًا على أنّ الإبداع الإنساني لا يمكن تعويضه بالآلة، ودعا إلى الاستفادة الإيجابية من هذه التكنولوجيات الحديثة، مستشهدًا بتاريخ مقاومة العرب والمسلمين للطباعة في بداياتها، الأمر الذي جعل الغرب يتقدّم ونحن نتأخّر، لأنّنا ببساطة قاومنا التطوّر بدل التفاعل معه، وأضاف المتحدّث أنّ الحلّ يكمن في المساهمة الفعّالة في إثراء هذه المنصات بمضاميننا الثقافية والمعرفية، فالذكاء الاصطناعي، كما قال، لا يلغي الإبداع البشري، بل يرافقه.

ومن جانبه، أوضح الدكتور أحمد دعي أنّ مجال النشر لم يكن بمعزل عن التغيرات التي أحدثتها ثورة الذكاء الاصطناعي في مختلف مناحي الحياة، إذ أصبحت معظم دور النشر في العالم تعتمد على هذه التطبيقات في مختلف مراحل صناعة الكتاب، من التأليف والتدقيق إلى التوزيع والترويج. وأشار إلى أنّ 75 بالمائة من دور النشر الأمريكية تعتمد اليوم على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

عكس المخاوف السائدة، يرى الدكتور دعي أنّ للذكاء الاصطناعي إسهامات إيجابية في مجالات مثل التسويق ودراسة السوق وسلوك المستهلك وتوسيع قاعدة القرّاء، غير أنّه شدد أيضًا على ضرورة مواجهة التحديات الأخلاقية، خاصة ما يتعلّق بحقوق التأليف والأمانة العلمية، مؤكّدًا أنّ هذه التقنية لا يمكنها منافسة الإبداع البشري، لكنّها ضرورة يجب مواكبتها.

أما منير بن مهيدي، مدير منشورات “جسور”، فدعا إلى ضرورة إجراء دراسات ميدانية للوقوف على واقع النشر بمعطيات دقيقة، بدل إصدار أحكام عامة، وأوضح أنّه لا وجود لصراع حقيقي بين الورقي والرقمي من حيث القراءة، لكن الواقع التكنولوجي الجديد يؤثّر حتمًا على بعض الوظائف المرتبطة بالنشر، وأشار إلى أنّ مؤسّسة “أمازون” مثلًا سرّحت مؤخرًا 14 ألف عامل نتيجة الاعتماد المتزايد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي. أضاف مدير منشورات “جسور” أنّ هذه التطبيقات يمكنها، في المقابل، أن تحسّن إدارة المخزون، وتسهّل التوزيع، وتستشرف اتجاهات المقروئية.

في الجزء الثاني من الجلسة، تناول مهند الجهماني الأبعاد الأخلاقية والأمنية لتأثيرات الذكاء الاصطناعي على صناعة الكتاب، معربًا عن تخوفه من أن يتحوّل إلى شكل جديد من الاستعمار الرقمي، خصوصًا في ظل غموض طرق تغذية المنصات بالبيانات وضعف مساهمة الدول النامية في إنتاج المحتوى المعرفي، واعتبر أنّ هذا الضعف يجعلنا أمام حصار ثقافي وتقني لا يمكن مقاومته إلا بالمشاركة الفعّالة في إنتاج المعرفة الرقمية.

في حين ركّزت رهام طعمة مديرة معرض الكتاب العربي الكندي على التحديات القانونية التي يفرضها الاتكاء على منصات الذكاء الاصطناعي خاصة لما يكون التعامل على المستوى الدولي مع ما تطرحه هذه الوضعيات من محاذير قانونية وأخلاقية، كما دعت المتحدّثة إلى ضرورة تطوير تشريعات دولية جديدة تنُظّم علاقة النشر بالتطبيقات الذكية، انطلاقًا من تجربتها المهنية في هذا المجال.

فيما أشارت ممثلة رئيس نقابة الناشرين إلى التحديات القانونية والأخلاقية المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية، مشيرة إلى أن سوق المنصات الرقمية حقق مداخيل بلغت نحو ملياري دولار من عائدات بيع وشراء الحقوق، متسائلة “من يملك هذه الحقوق، هل هي المنصة أم الناشر أم المؤلف؟. في ختام الندوة، أجمع المشاركون على أنّ الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حتمية لا يمكن تجاهلها، ويكمن التحدي الحقيقي في كيفية توظيفها لخدمة صناعة الكتاب، وجعلها أداة لتطوير الإبداع .