الثقافة.. هُوية وطنية وانفتاح على الآخر

   قال القاضي الفاضل أستاذ العلماء البلغاء عبد الرحيم البيساني وهو يعتذر إلى العماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه:

“إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لكَ أم لا؟، وها أنا أُخبرك به، وذلك إني رأيت أنه لا يكتب أحد كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غَيَّر هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجـمل. وهذا أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر”. 

      إن إعداد البرنامج الثقافي المرافق لصالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته الـ28، تَطلَّب من اللجنة الاستناد إلى جملة من الأبعاد، منها الهُوية الوطنية في تجلياتها الوحدوية والمُوحّدة والتاريخ التَّحرري والانتماء الحضاري، عربيا وأمازيغيا وإفريقيا ومتوسطيا، والانفتاح على الآخر.

     ليس صدفة أن ينعقد الصالون في هذا التاريخ المجيد، الذكرى 71 لثورة أول نوفمبر 1954 الخالدة، وذكرى 80 لمجازر الثامن ماي 1945، وذكرى 70 لهجومات الشمال القسنطيني 20 أوت 1955.

بهذه المناسبات التاريخية الماجدة، خصّص الصالون ندواتٍ ثريةً في هذا المقام، ووقفة عميقة لمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر، وتضامن الجزائر والتزامها بالقضايا العادلة، لفلسطين والصحراء الغربية حضورهما المميز.

      يسعد الصالون هذه السنة، باستضافة ضيف الشرف دولة موريتانيا الشقيقة، حيث ستُعقد ندوات علمية حول القواسم المشتركة بين البلدين (الجزائر وموريتانيا)، على المستويات الدينية والثقافية والأدبية والاقتصادية، والاحتفاء بالشعر معاً .

        يسعى البرنامج إلى تحقيق جملة من الأهداف، منها إبراز صورة الجزائر من خلال تقديم قامات علمية صنعت مجد الفكر الإنساني والعالمي في ضوء إبداعاتها التنويرية والتحررية المقاومة، في صورة القديس أوغسطينوس ولوكيوس أبوليوس وابن خلدون، وعبد الكريم المغيلي، ومالك بن نبي وفرانز فانون ومفدي زكريا وغيرهم كثير.

      كما يحتفي البرنامج أيضا بأسماء مهمة، من أبرزهم رشيد بوجدرة بمناسبة مرور ستين سنة من الكتابة الإبداعية، وعبد الحميد بن هدوقة وفرانز فانون في ذكرى مئويتهما.

    البرنامج المعدّ غني وثري أجناسيا ومتعدد المحاور، يحتوي على الشعر والرواية وأدب الأطفال وأدب الشباب، والنقد والفلسفة والتاريخ ومضامين أخرى متنوعة وحداثية تناسب كل الفئات العمرية.

     من تقاليد الصالون، أنه خصص وجبات شهية للأطفال في جناح “أحمد رضا حوحو”(الأهقار)، حيث الألعاب والورشات والمسابقات والكتاب التفاعلي وبصمة الحكواتي، كما فسح البرنامج مكانة مهمة لفئة الشباب من خلال التعرّف على توجّهاتهم الإبداعية الجديدة.

      لم يخف على البرنامج تكريم كوكبة من الأدباء والمثقفين الجزائريين، الذين كان لهم كبير الأثر في المشهد الثقافي الوطني والعربي، واستذكار من رحلوا عنا هذا العام تخليداً لآثارهم رحمهم الله.

      كل ما نتمناه أن يكون الصالون بنية أساسية في مشروع ثقافي أصيل، وجسر آمن لتحقيق تنمية مستدامة، فوراء كلّ نهضة خلفية ثقافية مبدعة.

                                                                                                                   سعيد بن زرقة

عضو لجنة البرنامج الثقافي