
يشهد قطاع النشر في الجزائر تحوّلات كبيرة في ظلّ الثورة الرقمية وتنامي حضور التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. وبين محاولات التكيّف مع هذه التحوّلات وتحديات السوق المحلية، يعيش الناشر الجزائري واقعًا مربكا يفرض عليه البحث عن حلول مبتكرة للبقاء والاستمرار..مدير دار “جسور” للنشر والتوزيع، يفصّل في علاقة الناشر الجزائري بالتكنولوجيا، وعن أثر الرقمنة على النشر والتوزيع، كما يطرح رؤيته لإشكالية المقروئية في زمن الثورة الرقمية.
ما مكانة الناشر الجزائري في علاقته بالتكنولوجيات الحديثة؟
الناشر الجزائري يواكب التطورات الحاصلة، خاصة مع الثورة الرقمية، سواء أراد ذلك أم لا. فمتطلبات السوق، على الأقل من الناحية الاقتصادية، تفرض عليه مسايرة هذه التغيرات، واستعمال كل الوسائل التي توفّر له الجهد والوقت والمال، وغيرها من العناصر التي تدخل ضمن كلفة الإنتاج.
في دار “جسور” التي تُديرونها مثلا، هل تعتمدون على تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
الأمر يرتبط بالإمكانيات. بعد جائحة “كوفيد”، عرفت العديد من المهن في الجزائر أزمات خانقة، ومن بينها قطاع النشر. كما أثرت الجائحة سلبًا على الاعتماد على الكتاب كمصدر أساسي للمعرفة، ما انعكس على المؤسسات الناشرة. نحن في “دار جسور” نستعمل بعض التقنيات الرقمية مثل غيرنا من الناشرين، لكن لم نصل بعد إلى توظيف فعلي للذكاء الاصطناعي.
السبب في ذلك هو ضعف المدخلات الرقمية في الجزائر، لأنّ الذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات المتاحة ليعطي مخرجات دقيقة، فعلى سبيل المثال، عندما حاولنا استخدامه في إنجاز تصاميم فنية، لاحظنا أنه يقدم تصاميم تعبّر عن ثقافات أجنبية، لا عن البيئة الجزائرية، بسبب غياب محتوى محلي كافٍ في قواعد البيانات.الجزائر ما تزال متأخّرة نوعًا ما في هذا الجانب، ولا توجد مؤسّسات متخصّصة في العمل على إدخال البيانات وتنظيمها. أما في مجال الطباعة، فاليوم معظم الناشرين الجزائريين يعتمدون على الطباعة الرقمية، لما توفّره من سرعة وتكلفة أقل.
يعاني الناشر الجزائري من مشاكل عدة، خصوصًا في التوزيع. هل يمكن للتقنيات الحديثة أن تساعد في تجاوزها؟
بصفتي عاملًا في مجال التوزيع منذ أكثر من ربع قرن، أؤكد أن التوزيع تغيّر جذريًا. فقد تخلّينا عن المركبات التي كانت تجوب الولايات لنقل الكتب، واستبدلناها اليوم بخدمات التوصيل الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا، فنحو 40% من عمليات التوزيع حاليًا تتم عبر الوسائط الرقمية، وهو ما أحدث نقلة نوعية في الأداء وسرعة الوصول إلى القارئ
وهل سهّلت هذه التقنيات، عمليا العمل أو غيّرت الأداء المهني لمؤسساتكم؟
ينبغي أن نطرح السؤال بشكل أعمق “هل المشكلة في الناشر؟ أم في الكتاب؟ أم في القارئ؟”..برأيي، المشكلة الجوهرية هي ضعف المقروئية في المجتمع. فالكتاب مجرد وسيلة، والناشر حلقة ضمن سلسلة طويلة، لذلك يجب أن تتضافر الجهود بين مختلف الأطراف: الإعلام، الوزارات، والمؤسسات الثقافية، لإيجاد حلول عملية تعيد الاعتبار للقراءة وتدعم صناعة الكتاب في الجزائر.
تحدّثتم في مداخلتكم عن أهمية الجامعة في دراسة مشكلات الواقع الثقافي، منها قطاع النشر.كيف ترون ذلك؟
الدراسات الميدانية التي نحتاجها كناشرين يجب أن تتولاها مراكز البحث ومؤسّسات الدولة، لأنّها تتطلّب عملًا جماعيًا منظّمًا يقوم به خبراء ومتخصّصون، لا مجهودات فردية من باحث أو أستاذ هنا وهناك.
الجزائر تضم 58 ولاية، وإذا أردنا معرفة واقع المقروئية وتوزيعها حسب الفئات العمرية والميول الثقافية، فنحن بحاجة إلى دراسات علمية دقيقة وهنا يبرز سؤال مهم “هل لدينا اليوم إستراتيجية وطنية واضحة للكتاب والثقافة؟”.
البداية الحقيقية يجب أن تكون من وضع خطة إستراتيجية مبنية على تشخيص علمي موضوعي، يعتمد على الإحصاءات والنظريات الحديثة، ويشارك فيها الخبراء والمهنيون في الميدان الثقافي والنشر.