منصّة “فلسطين.. نحو وعي غربيّ جديد”

الدّكتور حسني عبيدي:

فلسطين بعثت الرّوح في ضمير شباب الدّول الغربيّة

أكّد الأكاديميّ والباحث في العلوم السّياسيّة والعلاقات الدّوليّة حسني عبيدي، أنّه من الخطإ القول إنّه بذهاب الرّئيس الأمريكيّ الحاليّ دونالد ترامب، ستذهب “الترامبيّة”، فهي مستمرّة بأوجه وأساليب مختلفة، إذ يوجد شعور بالشّعبويّة في الولايات المتّحدة التي يفضّل مواطنوها، في غالبيّتهم، وجود رئيس قويّ يهتمّ بمصالحهم وبالشّأن الدّاخليّ، حيث عطّل ترامب ميزانيّة منظّمة الإغاثة الإنسانيّة، وانسحب من اتّفاقات دوليّة ومعاهدات كثيرة. وأوضح عبيدي أنّه من الصّعب فهم ما يفكّر فيه الرّئيس ترامب.

فلسطين أحدثت تغييرا كبيرا في حقوق الإنسان

ذكر الأستاذ عبيدي أنّ فلسطين أحدثت تغييرا كبيرا في قضيّة حقوق الإنسان التي تمّ تجاوزها من أكبر الدّول التي تدّعي الإنسانيّة، لكن في المقابل، ثمّة صحوة لدى الرّأي العامّ العالميّ، خاصّة عند الشّباب الذي لا يقبل ما يحدث، في إطار النّموذج المعروف بالوعي الغربيّ الجديد، لأنّ الشّعور بالعجز يحرّك الرّغبة في التّغيير، حيث بعثت فلسطين الرّوح في ضمير كاد ينقرض عند الكثير من النّاس في الدّول الغربيّة التي تعتمد على السّرديّة الإسرائيليّة المهيمنة على المعلومات في وسائل إعلامها، لكنّ تزايد الوعي وتأثير الصّور التي تصل من غزّة، غيّرت الموازين.

كما أشار المتحدّث إلى تمكّن بعض الطّلبة في جامعات أوروبّيّة من الضغط لأجل فلسطين، مثل جامعة جنيف التي ضغط طلّابها على الإدارة لوقف وتعليق الاتّفاقات المبرمة مع إسرائيل، مع العلم أنّ الكثير منهم هم أبناء مسؤولين وساسة ورجال أعمال، كما كان بعضهم مناصرا لإسرائيل ثمّ غيّر موقفه.

وأوضح المتحدّث أنّ تلك المظاهرات الحاشدة اليوميّة في الجامعات والشّوارع بمختلف المدن الأمريكيّة، إضافة إلى هجوم إسرائيل على دولة قطر، التي تعتبرها الولايات المتّحدة حليفا وثيقا، هي أحد الأسباب التي جعلت الرّئيس ترامب يضغط بطريقة ودّيّة على نتنياهو، لوقف الحرب على غزّة.

الوعي الإنسانيّ والضّمير الاخلاقيّ أساس النّموذج الغربيّ الجديد

وواصل ضيف المنصة أنّ القضيّة الفلسطينيّة موجودة وواضحة للعيان، فمن أراد أن يتبنّاها فليتفضّل، ومن لم يد، فله ذلك. تابع أنّ النّموذج الغربيّ الجديد لا يحتاج إلى استنساخ، باعتبارها قضيّة حقّ، لأنّ أساسه يكمن في الوعي الإنسانيّ والضّمير الأخلاقيّ الذي يوجد داخل كلّ إنسان، ويمكّنه من التّمييز بين ما هو صحيح وإنسانيّ وحقّ وما هو خاطئ وغير إنسانيّ وصائب، هذه هي البوصلة في النّهاية، إذ أنّ كلّ من يحمل ذرّة إنسانيّة وأخلاق، إلّا وينتصر لهذه القضيّة المرتبطة بالعدالة والحقّ.

التّحرّك الحاصل جيّد ومفيد

أشاد الدّكتور حسني عبيدي بالتّحرّك الحاصل في الغرب واعتبره جيّدا ومفيدا، حيث أنّ المجتمعات التي تمتلك مؤسّسات قويّة، وفصل بين السّلطات، واحترام للقوانين والدّستور، وذات حركيّة سياسيّة، ساعدت في تشجيع كلّ الرّؤى المختلفة بشأن القضيّة الفلسطينيّة. وزاد أنّ إصلاح البيت الدّاخليّ مهمّ جدّا من أجل سياسة خارجيّة ناجحة وفاعلة ومواقف قويّة، تعدّ مرآة للسّياسة الدّاخليّة، فيصعب على الدّول الضّعيفة وذات الوضع المهلهل، أن يكون لها صوت مسموع على المستوى الإقليميّ أو الدّوليّ.

عدم الاستهانة بالصّحوة الشبابية

دعا عبيدي كذلك إلى عدم الاستهانة بالصّحوة أو الفزعة الحاصلة على مستوى الشّبّان الذين يصنّفون ضمن نخبة المستقبل، فطلّاب اليوم هم صانعو القرار غدا، والصّحفيّون المستقبليّون، ومناضلو المجتمع المدنيّ، وبالتّالي، فالاستثمار في الطّلبة مهمّ للغاية، ومن الأهمّيّة أن يكون لدينا جيل متشبّع بقضايا العدل والحقّ لأهل الأرض.

في هذا السّياق، تراهن إسرائيل ألّا يصل هذا الوعي إلى المستوى السّياسيّ في الدّول المساندة للشّعب الفلسطينيّ، يقول عبيدي، لأنّها تدرك جيّدا أنّ هذا السّلام مع مصر والأردن وحتّى اتّفاقات التّطبيع، هي بمثابة السّلام البارد. وأظهرت نتائج آخر استطلاع أُجري في الأردن بمسمّى “عرب بارومتر”، أنّ 3 بالمائة فقط من الأردنيّين يعتقدون بجدوى السّلام مع إسرائيل، وهو ما تعيه جيّدا الحكومة الإسرائيليّة، حيث ساعدت بعض الأنظمة العربيّة، كما ابتهجت عند عزل وتنحية الرّئيس المصريّ السّابق محمّد مرسي، بما يتماشى وسياستها في عدم وصول أيّ نخبة سياسيّة إلى الحكم، تملك نظرة مغايرة بالنّسبة للصّراع العربيّ الإسرائيليّ. وأشار ضيف المنصّة إلى أنّه يجب أن ننتبه جيّدا إلى سعي إسرائيل لتفتيت المنطقة العربيّة والمحيط العربيّ وإقامة دويلات بما يخدم مصالحها وأمنها وفلسفتها.

القدرة على التّأثير في الأحزاب الغربيّة

نوّه الدّكتور عبيدي بالشّباب الذي بات يملك القدرة على التّأثير في الأحزاب السّياسيّة الغربيّة، سواء كانت يساريّة أو يمينيّة، لأنّه توجد انتخابات في تلك الدّول الغربيّة، ويعلم السّاسة جيّدا أنّ عدم الاستماع لآراء ومواقف أولئك الشّبان المتظاهرين يوميّا، يمكن أن يؤثّر على حظوظهم خلال الانتخابات المقبلة، فهناك ربط بين شباب المظاهرات وعودة الوعي والنّخب السّياسيّة التي لا يمكن أن تبقى منفصلة عن اهتمامات الشّبّان ومواقفهم.

نصرة القضايا العادلة لحماية الدّيمقراطيّة

اعتبر لعبيدي أنّ الوعي مرتبط بنصرة القضايا العادلة، وهو ما يجعل الكثير من الطّلبة والعمّال والموظّفين، يتظاهرون مساندين للفلسطينيّين، من منطلق الإيمان والوعي بعدالة القضيّة، ولحماية أنظمتهم وديمقراطيّتهم التي باتت هشّة بسبب الإجراءات الرّدعيّة والغرامات والاعتقالات والعقوبات التي تحدّ من حرّيّة التّعبير والحركة.

أكّد في السّياق، أنّ “حماس” استطاعت أن تعيد القضيّة الفلسطينيّة إلى واجهة الأحداث الدّوليّة، وما تمّ تداوله في شرم الشّيخ مؤخّرا، بشأن نزع سلاح المقاومة وعدم وجود دور سياسيّ لحركة حماس مستقبلا، لا يمكن تطبيقه لأنّها أصبحت بمثابة الدّولة، وقد سبق للأمريكان أن تفاوضوا معها رغم تصنيفها كحركة إرهابيّة. كما أنّه من الصّعب تحديد الأشخاص المنضوين تحت لوائها. واستطرد عبيدي قائلا “لا توجد ثقة في تطبيق اتّفاق وقف إطلاق النّار، لأنّه وُلد هشّا، ولم تلتزم فيه إسرائيل بفتح المعابر والمساعدات الإنسانيّة والطّبّيّة الكافية، وبالتّالي فموافقة الفلسطينيّين على وقف إطلاق النّار هو أوّل البدائل الصّعبة، وإنّ أكبر سلاح للفلسطينيّين هو الصمود.

أغلبيّة الدّول العربيّة لا تتقاسم مبدأ الاسترداد بالقوّة

كشف المتحدّث أنّ مبدأ “ما أُخذ بالقوّة لا يُستردّ إلّا بالقوّة” لا تتقاسمه أغلبيّة الدّول العربيّة، فخيار القوّة لم يعد مطروحا. ولمّا عوّلت “حماس” على هذا الخيار، كانت تتوقّع وحدة السّاحات العربيّة، لكنّ ذلك لم يحدث، لأسباب عديدة، فخيار استخدام القوّة لم يعد موجودا عند الدّول العربيّة التي عجزت حتّى عن إدخال شاحنات المساعدات الإنسانيّة لقطاع غزّة.