فكّك الخطاب الكولونيالي ودعا إلى تحرير العقل .. “فانون” يحتفي بالراحل نغوغي وا ثيونغو

احتفى فضاء روح البناف “فرانز فانون” في إطار جلسات الصالون الدولي للكتاب بالجزائر في طبعته الثامنة والعشرين، بالكاتب والمفكر الكيني الراحل نغوغي وا ثيونغو، أحد أبرز رموز الأدب الديكولونيالي في إفريقيا، وذلك من خلال ندوة فكرية موسومة تحرير العقل، أدارها الدكتور عبد الكريم أوزغلة، بمشاركة الروائي عبد الرزاق بوكبة، والأكاديمي بن عودة لبداعي، والمترجم والروائي جيلالي خلاص، بينما تعذّر حضور الكاتبة الكينية مريام مارونغو ميسوناي.

في مداخلته، قدّم المترجم جيلالي خلاص قراءة كرونولوجية في السيرة الذاتية للكاتب نغوغي وا ثيونغو، مستعرضًا مسار حياته منذ نشأته وتعلّمه في المدارس الإنجليزية، إلى مشاركته في انتفاضة “الماو ماو” ضدّ الاستعمار البريطاني في كينيا، وما رافقها من تعرّضه وأسرته للتعذيب والسجن دون محاكمة لمدة عام كامل، وهي الفترة التي شهدت ميلاد أبرز أعماله مثل شيطان على الصليب” وسيرته الذاتية التي كتبها على ورق المرحاض في زنزانته. كما أشار خلاص إلى فترة هجرته إلى إنجلترا ثم الولايات المتّحدة، حيث واصل نشاطه الأدبي والفكري إلى أن نال جوائز دولية مرموقة من بينها جائزة نونينو الإيطالية (2001)، وجائزة غاندي للسلام (2006)، وكذا جائزة بوكر العالمية للآداب (2022)، تقديرًا لمجمل أعماله المناهضة للاستعمار الثقافي والفكري.

أما الأكاديمي بن عودة لبداعي فاختار زاوية تحليلية مختلفة، تجاوز فيها السرد البيوغرافي إلى المسائل الجوهرية في فكر نغوغي، وعلى رأسها مسألة اللغة، فقد توقّف عند قرار الكاتب التخلي عن الكتابة بالإنجليزية بعد مرحلة طويلة من الإنتاج الأدبي بها، واختياره الكتابة بلغته الأم كيكويو، معتبرًا ذلك تحوّلًا جذريًا في الوعي أكثر منه تحوّلًا لغويًا، وربط لبداعي هذه النقلة بمسار الروائي الجزائري كاتب ياسين، الذي اتّجه في أواخر حياته إلى الكتابة بالدارجة الجزائرية، ورأى أنّ كليهما مارس تفكيك الفعل الاستعماري عبر اللغة، بوصفها حاملة للهيمنة مثلما هي وسيلة للتحرّر.

من جانبه، وصف الروائي عبد الرزاق بوكبة هذا الانتقال من الإنجليزية إلى اللهجة المحلية بأنّه فعل شجاع أشبه بدخول الكهف لتنويره، معتبرًا أنّ نغوغي لم يتخلَّ عن لغة الهيمنة فحسب، بل واجه بها العالم من موقع المقاومة الثقافية. وتوقف بوكبة عند بعض المفاهيم التي صاغها الكاتب في مؤلفه تحرير العقل، مثل القنبلة الثقافية، التي ترمز إلى القوة المدمّرة للثقافة الاستعمارية في وعي الشعوب، مشيدًا بمقاربته الذاتية والجذرية لإشكاليات التبعية الثقافية، ورفضه لفرض الآداب الغربية كنماذج معيارية في المجتمعات الإفريقية.

في ختام الندوة، طرحت مجلة صالون الكتاب سؤالا حول إشكالية اللغة في الأدب الإفريقي، وما إذا كان انتقال بعض الكتّاب من لغة المستعمِر إلى لهجاتهم الأم يعني النظر إلى اللغة كوسيلة للتفكير لا مجرّد أداة للتواصل، استنادًا إلى فرضية اللغويين إدوارد سابير وبنجامين وورف، وفي إجابته، أوضح الأكاديمي بن عودة لبداعي أنّ اللغة ليست محايدة، بل تحمل محمولات ثقافية واجتماعية واقتصادية، وأنّ التغيير اللغوي عند نغوغي وا ثيونغو كان فعلاً مقاوِمًا للمدرسة الكولونيالية في الكتابة، ومحاولة لاستثمار طاقة اللهجات المحلية في التعبير عن تطلّعات الشعوب للتحرّر والكرامة.