رشيد بوجدرة..الأديب الذي لا يكتب ليمتع بل ليقلق

تناولت ندوة “رشيد بوجدرة ستون سنة من الكتابة الإبداعية”، في إطار البرنامج الأدبي والثقافي للطبعة الـ28 لصالون الجزائر الدولي للكتاب، المسار الإبداعي لأحد أهم الأقلام الأدبية والإبداعية الجزائرية وستون عاما من العطاء في مجال الرواية والأدب، نشطها الأساتذة أحمد شنيقي، لحسن كرومي، إدريس بوديبة وجمال فوغالي.

بداية، تحدّث أحمد شنيقي عن مميزات الكتابة عند رشيد بوجدرة الذي بدأ الكتابة في ستينات القرن الماضي، وفي السبعينات كتب “التطليق” التي كان فيها تقارب مع كتابات نبيل فارس، مشيرا إلى أنّ بوجدرة غادر الوطن سنة 1965، وفي الغربة تأثر ة يسمى بالموجة الجديدة من الكتّاب وكان منبهرا بها، وهي الكتابة نفسها عنده، حيث هناك تعدّد الأماكن والأزمنة داخل الروايات التي وجدت آنذاك.

يرى شنيقي أنّ التكوين الماركسي لرشيد بوجدرة أثّر على علاقته بالرواية الجديدة، حيث لم تكن لديه نظرة تاريخية للأشياء، وكان يعيد الشكل الروائي في إطار تاريخي، وكان يقول “أحبّ الرواية الجديدة لكنّني غير متوافق مع أصحابها أيديولوجيا”، وكان يُدخل الرواية في قالب تاريخي.

تحدّث شنيقي أيضا عن تأثّر بوجدرة بعدد من الكتّاب سواء في فرنسا أو حتى في أمريكا اللاتينية من بينهم غابريال غارسيا ماركيز وروايته “مائة عام من العزلة” حيث نجد عناصر كثيرة منها في رواية بوجدرة “ألف عام وعام من الحنين”، التي كتبها على نفس المنوال، حتى وإن أكّد أنّه لم يكن قد قرأ “مائة عام من العزلة”، وعرّج المتدخّل في الأخير على علاقة بوجدرة بفلسطين ووصفها بالعلاقة القوية والقديمة حيث سبق وذهب إلى بيروت والتقى بالقادة الفلسطينيين خاصة من اليسار.

قال لحسن كرومي من جانبه، “إنّ رشيد بوجدرة علم من أعلام السرد الجزائري، ساهم في إثراء المكتبة الجزائرية، رغم اختلافنا معه في بعض الرؤى”، وقدّم المتدخّل تصوّرا لمفهوم الكتابة عند رشيد بوجدرة والتي يشبهها بالبناء، حيث يؤكّد بوجدرة أنّ الشكل هو الأساس وهو قوام كلّ عملية إبداعية، لكن على مستوى الممارسة الإبداعية ينفي حضور الجانب الأيديولوجي، والفكرة نفسها عند كلّ كتّاب الرواية الفرنسيين الذين يؤكّدون أنّ الأدب هو شكل، لذلك أسّسوا لخطاب حداثي يختلف كليا مع الرواية الكلاسيكية.

وواصل المتدخّل أنّه عندما نريد قراءة أعمال رشيد بوجدرة، يجب أن نكون صبورين لأنّ الرواية عنده فقدت خاصية الإمتاع والمؤانسة وحتى عند كتاب الرواية الأوروبيين الذين تأثر بهم.، مشيرا إلى أنّ الجانب الجديد في كتابات رشيد بوجدرة هي أنّه أحدث القطيعة مع الرواية الكلاسيكية سواء العربية أو الأوروبية.

في السياق نفسه، أكد الكاتب إدريس بوديبة، أنّ بوجدرة يستحق قراءة أخرى مجدّدة وقال “إنّ بوجدرة لا يكتب الرواية ليمتع القارئ لكن ليقلقه ويعيد تشكيل عقله ومخياله ووجدانه، بوجدرة لا يكتب رواية لتستمتع بها وتبتلعها حتى نهاية السطر لكن يريد في نهاية السطر أن يربكك بأسئلة جديدة وبقلق جديد ليعيد تشكيل النظام الجمالي والفكري في ذهنك أولا”.

تطرّق بوديبة إلى علاقته مع رشيد بوجدرة خلال النشاطات الثقافية، خاصة في أمانة اتحاد الكتاب الجزائريين حيث كان رئيسا للاتحاد سنة 1987 وكان الراحل عبد الحميد بن هدوقة نائبا له، مشيرا الى أنّ  المحتفى به له خطاب واحد حيث يقدم أفكاره عارية واضحة وجريئة، سواء كانت مكتوبة أو عندما يخاطب الجمهور، وعادة ما تثير محاضراته الكثير من النقاشات والمشاكسات الحادة لكن بوجدرة لم يتراجع ولم ينحنِ ويبقى مصرا على الدفاع على أطروحاته التي يؤمن بها ببساطة وبعفوية وبما يمكن أن نسميه “السهل الممتنع”

 يعتقد المتدخّل أنّ بوجدرة اختار أن يكتب بخطاب الضدّ ولم يبدأ من رواية “الإنكار” بل من ديوانه “من أجل إغلاق نوافذ الحلم”، معتبرا أنّ “الإنكار” تقوم على الثلاثية التقليدية “الجنس، الدين والسياسة” وأنّ الدراسات ظلمته لأنّها أخذت هذا الثلاثي من منظور سطحي اعتمدت على التمردات التقليدية، لكنّه كتب هذا الثلاثي من منظور البنية العميقة وأنساقها السياسية واللغوية، خاصة الجندرية. 

أما الشاعر والكاتب جمال فوغالي فقد رافع من أجل رشيد بوجدرة، وقال أسّس لنفسه مسارا فريدا متفردا لا يجب أن نقارنه بغيره أو ننسب فضل ما قدّمه لغيره، “رشيد بوجدرة هو هذا الكاتب الجزائري الأصيل الذي كتب بنفحة صوفية متجذّرة وهو استثنائي”.