“تسريد الصحراء، نوافذ جديدة في الأدب الجزائري المعاصر”حفرٌ في العمق الإنساني وكتابة عن الذات والذاكرة .

في إطار فعاليات الطبعة الثامنة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، احتضنت القاعة الكبرى “آسيا جبار” ندوة فكرية موسّعة بعنوان “تسريد الصحراء، نوافذ أدبية جديدة”، أشرف على إدارتها الأكاديمي والروائي الصدّيق حاج أحمد الزيواني، وشارك فيها نخبة من الروائيين والنقّاد والباحثين الذين ناقشوا تجاربهم الأدبية ومقارباتهم الفكرية حول الصحراء كفضاء سردي وإنساني مفتوح على الدلالات الوجودية والجمالية.

الندوة انقسمت إلى جلستين، الأولى جمعت الروائية جميلة طلباوي، والقاص عبد القادر المجبري، والروائي خيري بلخير، والناقد الأكاديمي أحمد بوعافية، بينما ضمت الجلسة الثانية الروائيين يوسف أوقاسم، عبد الله لبويز، وميلود ولد الصديق، الذين قدموا قراءات متقاطعة حول حضور الصحراء في المتن السردي الجزائري المعاصر.

جميلة طلباوي:

تجربة إبداعية عابرة للتيمات والأجناس

افتتحت الروائية جميلة طلباوي الجلسة الأولى متسائلة “عن أيّ صحراء سنتحدّث؟”، قبل أن تقدّم قراءة في أعمالها التي تنتمي إلى أدب الصحراء، مثل “وردة الرمال”، “الخابية”، “وادي الحناء” و”تغريبة القندوسي”.

وقالت إنّ الصحراء “ليست فراغاً مكانياً كما يعتقد البعض، بل فضاء تتجلى فيه التجارب الإنسانية بأقصى أشكالها”، مشيرة إلى أنّ “الفضاء الصحراوي يختلف شكلاً ومضموناً، حسب الإنسان الذي يتعامل معه”.

وترى طلباوي أنّ تسريد الصحراء في الأدب الجزائري مرّ بمراحل متعدّدة، من التناول المبكّر باللغة الفرنسية مع محمد ولد الشيخ في “مريم بنت النخيل”، إلى إعادة اكتشاف الصحراء في أعمال رشيد بوجدرة (تيميمون)، والسعيد بوطاجين الذي ترجم “رقان حبيبتي”، وصولاً إلى الأصوات الجديدة التي تنتمي إلى الصحراء وتكتب عنها من داخلها.

في قراءتها الرمزية لرواياتها، أوضحت طلباوي أنّ “الخابية” تناولت العلاقة بين الإنسان ومعماره الطيني الذي يشكّل جزءاً من هويته، بينما جسّدت “وادي الحناء” فكرة التحوّل الإنساني تحت الضغط والمعاناة، تماماً كما تُسحق الحناء لتمنح لونها الجميل.

عبد القادر المجبري:

من “تغريدات تواتية” إلى “القصور الطينية

بدوره، قدّم القاص عبد القادر المجبري، صاحب المجموعتين القصصيتين “تغريدات تواتية” و”لو سكتت القصور الطينية عن الكلام المباح”، مداخلة نقدية أوضح فيها أنّ مصطلح “تسريد الصحراء” وُلد من الجدل بين النقّاد حول وجود “أدب الصحراء” في مقابل “أدب المدينة” أو “أدب البحر”.

أشار المجبري إلى أنّ الصحراء الجزائرية ليست مجرّد امتداد جغرافي، بل فضاء معرفي يتضمّن أشكالاً من الاستقرار كما في إقليم “توات”، حيث سمحت أنظمة المياه التقليدية (الفقارات) ببناء القصور الطينية وتأسيس حياة حضرية ذات خصوصية.

وأوضح المتدخل أنّ من سرّاد الصحراء من تناولها كفضاء للترحال مثل إبراهيم الكوني وعبد الرحمن منيف، ومنهم من تعامل معها كفضاء مستقرّ يستدعي الموروث الشعبي والأسطورة في بناء السرد.

خيري بلخير:

الصحراء متاهة وجودية

أما الروائي خيري بلخير فقد استهل حديثه بالإشارة إلى الكاتب الأرجنتيني بورخيس الذي وصفه بـ”صانع المتاهات”، قائلاً إنّ “الصحراء هي المتاهة الكبرى، فضاؤها يختبر وعي الإنسان وهويته”.

ورأى أن الكتابة عن الصحراء هي “حفرٌ في العمق الإنساني”، مشيراً إلى أنّ نصوصه تتغذى من البعد الميثولوجي والديني والفلسفي.

كما توقّف عند تأثير الكاتبة إيزابيل إبرهارت في الفكر الجزائري، خاصة في علاقتها بأسماء مثل مالك بن نبي وسعيد خطيبي، مشدّداً على أنّ “الحمولة الثقافية هي ما يمنح النصّ الأدبي قوّته وقدرته على الدفاع عن نفسه”.

أحمد بوعافية:

تنوّع السرديات وانفتاحها على فضاءات الجنوب

في مداخلته النقدية، أوضح الدكتور أحمد بوعافية أنّ السرديات العربية المعاصرة عرفت تنوّعاً كبيراً بفضل انفتاحها على فضاءات الصحراء الجزائرية، التي تمثّل خزاناً للرموز والأساطير والتاريخ الشفهي.

وأكد أن كتّاب الصحراء “أبدعوا في توظيف عناصرها المادية والرمزية من فقارات وقصور وأمثال وألغاز وأساطير”، ما أتاح “تجديد البنية السردية وتوسيع دائرة التلقي لدى القارئ المعاصر”.

ميلود ولد الصديق:

 الصحراء لا تعطي سرها إلاّ لمن أحبّها

افتتحت الجلسة الثانية بمداخلة الروائي ميلود ولد الصديق، الذي أكّد أنّ “الصحراء ليست فراغاً بل امتلاء روحي”، مضيفاً أنّ روايته “ابن القرية”، جاءت لتعيد الاعتبار للعلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان.

وأوضح أنّ العمل يقوم على ثلاثة محاور: المكان بما يحمله من رمزية الماء والقصور، الزمان المتمثّل في المواسم والأهازيج، والإنسان الذي يصارع بيئته ويمنحها معنى.

واعتبر أنّ “الكتابة الجادة عن الصحراء ما تزال قليلة”، خصوصاً تلك التي تتناول العلاقات الإنسانية من الداخل بعيداً عن النظرة الاستشراقية السطحية.

عبد الله لبويز:

الثقافة الحسانية كنز في طريق الزوال

من جهته، تحدث الروائي والشاعر عبد الله لبويز من ولاية تندوف عن أهمية اللهجة الحسانية كجزء أصيل من الفضاء الصحراوي، موضّحاً أنها قريبة من العربية بنسبة 80 بالمئة.

وقال لبويز إنّ مشروعه الأدبي يسعى إلى “توثيق المفردات الحسانية وحفظ التراث غير المادي”، مشيراً إلى كتابه “كنوز حسانية في طريقها إلى الزوال” الذي جمع فيه أكثر من ثلاثة آلاف كلمة من الموروث الحساني.

كما أبرز الدور المتزايد للمبدعين في الجنوب الكبير، حيث “يشهد المشهد الثقافي في تندوف صحوة فكرية مع وجود نحو 500 ناشر و50 مؤلف يسعون للحفاظ على الهوية الصحراوية”.

يوسف أوقاسم:

الطاسيلي بوابة السرد والذاكرة

اختتم الروائي يوسف أوقاسم مداخلات الندوة بالحديث عن تجربته مع الكتابة في منطقة الطاسيلي، موضّحاً أن علاقته بالصحراء بدأت من القراءة لإبراهيم الكوني ثم تطوّرت إلى مشروعه الأدبي في الشعر(طاسيليات) والرواية (إيمارون).

وقال أوقاسم إنّ “الكتابة عن الصحراء هي كتابة عن الذات والذاكرة”، مضيفاً أنّ مدن الجنوب مثل جانت “تحمل كنوزاً تاريخية لم تُكتشف بعد بسبب غياب السرد عنها”.

ـــــــــــــــــــــ