ندوة “خطاب ما بعد الكولونيالية..” بفضاء “فانون” القيم الإفريقية تكتب الإنسانية

احتضن فضاء روح البناف “فرانز فانون” يوم 31 أكتوبر 2025 ندوة بعنوان “خطاب ما بعد الكولونيالية في إفريقيا وحاجة الإنسانية إلى القيم الإفريقية”، شارك فيها متدخلون من تشاد وموريتانيا والنيجر وكذا الجزائر، تناولوا بإسهاب الدور الذي يمكن أن تلعبه إفريقيا في إثراء التفاعل الإنساني وتجاوز المخلّفات التاريخية للاستعمار.

افتتح الندوة مرتضى أحمد من نيجيريا، الذي شدّد على ضرورة تعريف القيم وبيان أهدافها، موضحًا أنّ لها عدّة تعريفات، مستندًا إلى تعريف عمارة محمد الذي يرى أنّها “المعايير الثابتة والخالدة”. وأشار إلى أهميتها في تكوين الشخصية وحماية الإنسان من الوقوع في الخطأ، وتعزيز الشعور بالمسؤولية.

أوضح المتدخّل أنّ الإنسان الإفريقي يسير دائمًا على الفطرة كقيمة أولى، على غرار ثبات وجود الله، ما يسهّل توازن حياته. أما القيمة الثانية فهي الإنسانية، التي تشجّع على التكافل والتعاون، كما عبّر عن ذلك عبر أمثلة عملية مثل العمل الجماعي لبناء المدارس والطرقات، والضيافة والكرم، واحترام البيئة، وتربية الأبناء كمسؤولية جماعية، والحفاظ على المهن التقليدية. واختتم بالتأكيد على أهمية تعزيز الوعي الثقافي والدمج في التعليم والإعلام الرقمي، داعيًا إلى دعم الصناعة والحفاظ على التراث المادي وغير المادي، محذّرًا من دور العولمة في تقويض هذه القيم.

من جهته اعتبر محمد السالم ولد الصوفي من موريتانيا، الموضوع بالغ الأهمية والحساسية، مشيرًا إلى أنّ المجتمع الإفريقي بدأ يستعيد هيبته بعد موجة من السلب الثقافي. وذكر بعض القيم الإفريقية الخالدة، مثل توقير الكبار والتكافل المجتمعي ومكانة العلماء والحكماء، مؤكّداً أنّ القيم الإسلامية كانت دائمًا محلّ ترحيب لأنّها تتوافق مع الفطرة. ولفت إلى أنّ الشباب اليوم يؤكّدون أنّ زمن السلب قد ولى.

بينما ركّز عبد الله عيسى من تشاد على فرانز فانون كمناضل لطرد المستعمر الغاشم، واستعرض الحالة الاجتماعية في بلاده، التي تجمع بين المكوّنات العربية والإفريقية منذ القرن السابع الميلادي. وأوضح أن هذا المزج أدى إلى ولادة اللغة العربية في التشاد، التي جسدت القيم الإسلامية، وأن الأفارقة يميلون إلى الدين ليس بالتسلّط بل بأخلاقيات السلوك التي جلبها التجار العرب. كما تناول التعدّد العرقي في التشاد وأثره في نشوء ثقافات متعدّدة وسياسة قبول الآخر. وأشار إلى بعض قادة الفكر الأفريقي مثل مالك بن نبي وفرانز فانون ونيلسون مانديلا، الذين دعوا إلى التسامح وتقبل الآخر.

فيما أكّد عبد الله المهيمن محمد الأمين من النيجر أنّ القيم الإفريقية تمثّل صمام أمان لتحقيق الأمن الاجتماعي عالمياً وإفريقيا، وأنّ لها دور في تحقيق السلام. وأوضح أنّ الخطاب الكولونيالي ظهر بعد استقلال الدول الإفريقية، وأن هناك أشكالًا متعددة للخطاب بعد الاستقلال: الوطنية، الفكرية، الدينية (الصوفية والسلفية)، والتيار النسائي، وجميعها تسعى إلى تفكيك الخطاب الذي تركه الاستعمار الفرنسي الفرنكوفوني. وأكّد أنّ القيم الإفريقية المستمدة من الإسلام أعطتها بعدًا عالميًا وشمولية، ما يجعل الدعوة لها أمرًا يشارك فيه الناس جميعًا.

في الجلسة الثانية، أشار السيد حمدي يحظيه من الصحراء الغربية إلى خطورة الاستعمار الفرنسي الذي دخل إفريقيا عسكريًا وثقافيًا بهدف محو التاريخ وفرض قيم دخيلة. ولفت إلى أهمية كتابة التاريخ الإفريقي من مصادر محلية بعد الاستعمار، وعدم الاعتماد على المراجع الغربية المشوّهة. قبل أن يتناول بروفيسور محمد صالح أيوب من التشاد، مقسّمًا تحليله إلى ثلاثة محاور: مفهوم الخطاب، تجارب الكولونيالية الفرنكوفونية، والأعمال العلمية الإفريقية في توثيق الخطاب منذ 1960 وما بعد الثورة الجزائرية. وأوضح الاختلاف بين القيم الإفريقية والغربية، ودور الغرب في محاولة السيطرة على الثقافة بالقوة، وبيّن المعوقات اللغوية والفكرية التي تعيق التأثير.

أما موسى عبد الله من جامعة سعيدة (الجزائر)، فركّز على نقطتين أساسيتين، أوّلها ضرورة تفكيك الخطاب الكولونيالي على المستوى الإيديولوجي في منظوماتنا التعليمية التي تكرّس تفوّق الآخر على الإفريقي، وثانيها إعادة النظر في آليات الترسيخ الثقافي، معتبراً أنّ تركيز القيم على الواجب أكثر من الحقوق ساهم في تأخر تطوير خطاب ما بعد الكولونيالية.