
احتضنت قاعة المحاضرات الكبرى “آسيا جبار”، أمس الاثنين، ضمن فعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته الثامنة والعشرين، ندوة، تناولت “الموروث الثقافي الجزائري في الخزائن والمكتبات الإفريقية، من الكشف والجرد إلى الطباعة والنشر”، من تقديم الأستاذين مبارك جعفري (دكتور تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر بجامعة أدرار) وعبد السلام كمون (أستاذ التاريخ والمعاصر رئيس قسم التاريخ والآثار بجامعة أدرار)، اللذين تطرّقا إلى أهم المحطات التي مرّ بها هذا الموروث وكيف وصل من الجزائر إلى عمق إفريقيا وأصبح إرثا ثقافيا للتواصل بينهما.
بداية، تطرّق الدكتور مبارك جعفري، بالتفصيل إلى سير المخطوط عبر العديد من المحطات التاريخية، معتبرا أنّ الحديث في هذا الموضوع، هو وقوف على أحد جسور التواصل بين الجزائر وإفريقيا العميقة، الذي يمتدّ إلى عدّة قرون، وكذا علاقة الجزائر بمحيطها، وهي علاقة لم تتأثّر بالصحراء الكبرى رغم قساوتها وشساعتها، ولم تكن حاجزا أمام المؤثرات الثقافية والحضارية، وترجع إلى الحقبة التي كانت تمر فيه الخيول عبر هذه الصحراء، والتي تنقل معها مختلف المعالم الحضارية، إلى أن دخل الإسلام، وهنا زاد التواصل الحضاري، على حدّ قوله.
كما ذكر العديد من العلماء الذين كان لهم الفضل في نقل هذا الموروث الثقافي، على غرار عبد الكريم المغيلي التلمساني، الذي أعطى بعدا آخر للعلاقة بين الجزائر وإفريقيا، لأنّه يُعتبر أوّل من أدخل الطريقة القادرية إلى إفريقيا، ومثّل جسرا آخر من جسور التواصل فالطريقة التجانية. ولعلّ الحديث في هذه العلاقة، كما قال، هو حديث عن رحلة المخطوط الجزائري إلى خزائن إفريقيا، مؤكّدا أنه لا تخلو خزانة إفريقية من المخطوط الجزائري، للعديد من الأسماء المعروفة، على غرار التلمساني والمقري والثعالبي، عبد الرحمان الأخضري، وغيرهم.
لخص المتدخّل العوامل التي ساعدت على وصول المخطوط الجزائري إلى إفريقيا، والتي ذكر منها الحج، حيث الأفارقة مولعين بالحج، الذي كان عبر الصحراء الجزائرية عبر طريق” توات”، وخلال هذه الرحلة الطويلة التي كانت تمتد لأشهر، كان يتم نسخ وشراء الكثير من المخطوطات. بالإضافة إلى الفقهاء التجار، الذين كانوا ينتقلون عبر القوافل التجارية، التي كانت تقوم على الذهب خاصة، وهنا برز دور التجار العلمي، وتحوّلت تجارة المخطوطات إلى تجارة رائجة. كما كان لتنقل العلماء، دور مهم في نقل هذا الإرث المعرفي والعلمي من الجزائر إلى إفريقيا، وكذا التصوّف ونقل الكثير من الطرق على غرار الصوفية، وفتح انتقال السكان، الباب، أمام تحوّل هذه المخطوطات من الجزائر إلى إفريقيا، على حسب ما ذكر الدكتور جعفري.
في حين اعتبر الدكتور عبد السلام كمون، أنّ تراث المخطوط هو من الشواهد الأساسية الدالة على الحضارة الإنسانية، والجزائر رائدة في هذا، على حدّ قوله، معتبرا أنّ انتقال هذا الموروث إلى إفريقيا هو نعمة على الجزائر، لأنه لو بقي خلال الاستعمار لتحوّل إلى رماد ويتلف كلّه، وينهب ويحرق.
قس على ذلك، أنّ الاستعمار الفرنسي، هرّب الكثير من العلب التاريخية من الأرشيف العثماني. مذكرا أنه، آن الأوان، لاسترجاع هذا الموروث من إفريقيا، وكذلك المعادن النفيسة كما عبر عنها. داعيا إلى ضرورة شكر الإخوة الأفارقة لأنهم حافظوا على هذا الموروث ووثّقوها في مدارسهم وجعلوها مقاييس في الدراسة في مختلف العلوم، ولولاهم لأتلف، وما أصبح يشكّل اليوم جسورا للحضارة بين الجزائر وكل إفريقيا، التي تثبت عمق العلاقة بين الطرفين. داعيا إلى تجنيد، الأقلام الوطنية المخلصة لتستكمل عملية الفهرس والدراسة والتحقيق والطبع، وكذا التعاون الدولي والمؤسساتي.
أكّد الدكتور أيضا أنّ الكثير من التحديات في هذا الشأن وجب خضوها، مستعرضا أهم الآليات لاسترجاع هذا الموروث، خاصة وأنّ الدبلوماسية الثقافية والروحية أصبحت مؤثرة أكثر من الدبلوماسية السياسية. مشددا على ضرورة التحرك والإسراع لاسترجاع هذا الموروث، وهذا بتشكيل لجنة وطنية تقوم بهذا التحدي، وكذا تعزيز التعاون الجاد بين الجزائر وإفريقيا، فهو ليس في قيمته المادية فحسب بل في قيمته العلمية والرمزية، وهو من جذور الحضارة الجزائرية.