
شهد جناح المركز الثقافي الإيطالي بالجزائر في الصالون الدولي للكتاب تقديم الترجمة العربية لكتاب “إيطاليا وحرب الجزائر 1954-1962” للمؤرخة الإيطالية برونا بانياتو، وهو عمل أكاديمي رصين يتناول موقف الحكومة الإيطالية من الثورة الجزائرية، والعلاقات الإيطالية- الفرنسية- الجزائرية خلال مرحلة مفصلية من التاريخ المعاصر.
حضر اللقاء الأستاذ عبد الله شقنان، مترجم النسخة الفرنسية من الكتاب سنة 2016، والباحث والمترجم عبد الله معصوم الذي قدم الترجمة العربية مؤخراً، إلى جانب مديرة المعهد الثقافي الإيطالي بالجزائر أنطونيا غراندي. وكان النقاش مناسبة لإعادة قراءة جزء من التاريخ المتوسطي المشترك من زاوية العلاقات الدبلوماسية والسياسية.
أوضح الأستاذ شقنان أنّ اهتمامه بالكتاب كان في البداية بدافع شخصي، من باب أنّ الكتاب يتناول علاقة قريبه سعد دحلب أحد قادة الثورة الجزائرية، المميزة مع الإيطالي إنريكو ماتي، رجل الأعمال ورئيس شركة “إيني”، الذي لعب دوراً مهماً في دعم الثورة الجزائرية على المستويين السياسي واللوجستي. فقد التقى ماتي بدحلب لأول مرة في روسيا ثم في القاهرة عام 1958، وهو اللقاء الذي رسّخ بداية العلاقات بين الثورة الجزائرية وإيطاليا، حيث عمل ماتي على ربط جبهة التحرير الوطني بالمجتمع المدني الإيطالي وفتح مكتب في تونس كان بمثابة “سفارة غير رسمية” للدفاع عن القضية الجزائرية.
أما المترجم عبد الله معصوم، فاعتبر الكتاب وثيقة مهمة لا تخصّ فقط العلاقات الجزائرية- الإيطالية أثناء الثورة، بل تفتح أيضاً أفقاً لدراسة تطوّر الدبلوماسية في حوض المتوسط خلال خمسينيات القرن الماضي.
وأكّد معصوم أنّه اعتمد في ترجمته على النسخة الإيطالية الأصلية، نظراً لدقة أسلوب المؤرّخة بانياتو وغنى نصّها بالمفاهيم السياسية والتاريخية التي تتطلّب ترجمة واعية وسليمة، خاصة وأنّ الكتاب تناول الحياة السياسية في إيطاليا والتي بدونها لا يمكن فهم الموقف الايطالي من الثورة.
يتناول الكتاب كيف شكّلت حرب الجزائر “اختباراً حقيقياً” للدبلوماسية الإيطالية، التي وجدت نفسها أمام معادلة معقدة بين التضامن مع فرنسا الحليفة في حلف الأطلسي، وبين الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية في شمال إفريقيا والعالم العربي. ويرصد بالتفصيل مواقف الحكومات والأحزاب والدوائر الاقتصادية الإيطالية خلال الحرب، وكيف تأثّر الموقف الرسمي بالتحوّلات السياسية الداخلية في إيطاليا، خصوصاً مع بروز توجّهات “الوسط اليساري” في تلك المرحلة.
لا يركّز الكتاب على الجوانب العسكرية للثورة بقدر ما يقدّم تحليلاً معمّقاً للسياسة الخارجية الإيطالية في سياق الحرب الباردة، ويكشف عن وثائق وشهادات جديدة تبرز التوازنات الدقيقة التي واجهتها إيطاليا بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط.