
احتضنت قاعة المحاضرات الكبرى “آسيا جبّار”، أمس الخميس، منصّة حول “فلسفة الكتابة” بمشاركة الكتّاب والرّوائيّين ربيعة جلطي، مصطفى بن فضيل، والحبيب السّايح، حيث استذكرت الرّوائيّة ربيعة جلطي أولى محطّاتها مع الكتابة لمّا كانت صغيرة، وهي تتحدّث مع والدها عن أرسطو وسقراط وأفلاطون، واعتبرت أنّهم أخرجوا الأدباء والكتّاب والشّعراء، حيث أنّ الفلسفة هي فنّ السّؤال، وتنبثق من كلّ سؤال، أسئلة أخرى لا جواب لها.
استطردت جلطي قائلة “من بين الأسئلة: لماذا نحن موجودون؟ ولماذا فقدنا أمّهاتنا وآباءنا؟ لكن لا نجد لها إجابة”، فالأدب والفلسفة يشتركان في الكتابة، ولا يوجد أدب دون فيروس الفلسفة، كما أنّ كلّ عمل روائيّ يمتلئ بمعاني فلسفيّة من خلال الشّخصيّات والأمكنة.
تحدّثت المتدخّلة عن كونها مسكونة بتجاوز نفسها، فقبل دخولها المدرسة، كانت تستمع إلى جدّتيها من أمّها وأبيها، وما تحكيانه من روايات رائعة، ما جعلها تعمل على الإبداع في كتاباتها والعمل على عدم الكتابة مثلما قرأته من روايات أخرى. كما أنّ الإلهام الذي ملكته من جدّتيها، بنى فيها فلسفة الفقد، وذلك نابع من الهمّ الصّغير القاسي والحارق الذي ظلّ معها.
كما تأثّرت بمكتبة والدها وتعلّمها اللّغات الأجنبيّة، وأقرّت في السّياق، أنّ القراءة الفلسفيّة بالنّسبة لها، كانت مثل الدّواء لبحثها في هوس الحياة والفقدان، وهي الآن بصدد الدّخول إلى عالم الذّكاء الاصطناعيّ في مغامرة لمعرفة المختبرات السّرّيّة الموجودة في كندا وّأسيا وغيرها، وهو ما أثّر، كذلك، في كتاباتها الأخيرة مثل “قلب الملاك العالي”، “وحنين بالنّعناع”، ورواية “السّرجم”.
منجهته، أوضح الرّوائيّ مصطفى بن فضيل، أنّ العلاقة بين الكتابة والفلسفة ترتبط في شقّها الأوّل بسؤال حول الجنس الذي نتحدّث عنه، إن كان قائما بذاته، وفي الشّقّ الثّاني بالأفكار الفلسفيّة التي نجدها في الرّواية، مشيرا إلى أنّ الشّخصيّات أصبحت رموزا لمواقف ورؤى الكتّاب مثلما يراه نجيب محفوظ، أو قد تكون كثرثرة روائيّة دون فائدة. فالرّواية المعاصرة تمتاز بالمزج بين الأجناس، إذ لا يمكن فصل الأفكار عن الكتّاب. واعترف بن فضيل باكتشافه الموت كشيء رهيب جدّا، بعد وفاة جدّه ووالده، ما يفسّر أنّ معظم كتاباته مرتبطة بموضوعي الموت والحزن. وقسّم مسيرته التي تمتدّ إلى ثلاثين سنة في النّشر، إلى مرحلة كان خلالها في توجّه عبثيّ، حيث كان منخرطا في رواية السّخافة، بسبب الظّروف العصيبة التي عاشها، وفي مرحلة ثانية، توجّه إلى طابع الرّواية الوثائقيّة بشكل سريانيّ، في مرحلة اتّسمت بالانتقال من العنف الممارس ضدّ الكتابة إلى الكاتب في حدّ ذاته، ما جعله يستعمل الكتاب كرمز للثّقافة، حيث أنّه يبقى الرّمز الأخير الذي يعتمد عليه لنقد الذّات من الهيمنة الرّأسماليّة، والحضارة الغربيّة البربريّة المتوحّشة، كما وصفها. بينما اعتبر الكاتب الحبيب السّايح أنّ عنوان المنصّة تنقصه الصّفة، مفضّلا أن يكون “فلسفة الكتابة الرّوائيّة”، متسائلا في الوقت نفسه عن ماهيّة الحمولة الفلسفيّة لكتابات وطّار وكاتب ياسين وبن هدّوقة وغيرهم، وعرّج على التّعامل الفلسفيّ مع اللّغة، مؤكّدا أنّه بغياب الوعي في فلسفة اللّغة، لا يمكن الكتابة عن مشهد لغويّ أو التّحكّم في تركيب الجملة. كما اثار مسألة الوعي بقدرات البنيات الصّرفيّة لتوصيل المعنى، والبلاغة بإبداع مجاز خاصّ بالكاتب، يكون مدهشا ومربكا للقارئ، إضافة إلى الاستعارة، مختتما مداخلته بالقول إنّ كلّ نصّ روائيّ نكتبه، له حمولة لغويّة ذات علاقة بالفلسفة.