
كيف ساهمت أفكار فانون حول الهيمنة الثقافية في كشف آليات الخطاب الكولونيالي؟
فانون كرّس كلّ حياته لفضح أساليب الهيمنة الاستعمارية، وبفضل طبيعة عمله كطبيب للأمراض العقلية ومختص في التحليل النفسي، استطاع أن يبيّن البعد النفسي في الهيمنة الكولونيالية، ويمكن أن نلخّص آراءه في قوله إنّ الاستعمار صناعة والمستعمر صناعة كذلك، فالمستعمر هو الذي يصنع المستعمر، لا يوجد مستعمر من فراغ بل المستعمر هو الذي يصنعه، ويتخيّله، باللغة بالخطاب وبالثقافة، لذلك يرى أن التحرّر يكون عن طريق الثقافة كذلك. ويقول كذلك عن طريق ما هو نفسي، الذي يكون مستعمرا نفسيا هو من يقوم بمبادرة ذاتية لكي يعيد اعتبار ذاته ويبتعد عما يسميه فانون التنكّر للذات.
كيف نفهم العلاقة بين الهوية والثقافة في الجزائر ما بعد الاستعمار في إطار فكر فرانز فانون؟
فرانز فانون يؤمن أنّ الهوية ليست شيئا معطى ولا قبليا، بل نحن الذي نبنيه، وكان يرى دائما بأنّ الهوية هي بصدد البناء، وكان يتخوّف بعد الاستعمار، أن تتسلّط جهة معيّنة وتفرض هوية واحدة على مجتمع ربما يكون متعدّد الهويات، لهذا كان يحذّر دائما من الهويات المنغلقة ويدعو لانفتاح هوياتي، وإلى دولة تبنى على الانفتاح واحترام الغيريات، لا أن نذوب الهوية في قالب واحد فقط.
اختزل كثيرون فكر فانون في العنف الثوري فقط، كيف تفسّرون هذا التوجّه؟
اليسار الأوروبي في زمن فانون كان معقّدا من فكرة العنف، لأنّ التجربة الستالينية وسّمت الماركسية عموما واليسار خصوصا بأنّه عنيف، لهذا كان كلّ اليسار الأوروبي يرفض فكرة العنف، لكن فانون كان يفكّر في سياق آخر وهو سياق الاستعمار، وكان يعرف أنّ الاستعمار بطبيعته عنيف، ولا يفهم إلا لغة العنف، لكن كان يرى أيضا بأنّ العنف مرحلي، عندما يجل المستعمر إلى طاولة المفاوضات هناك يتوقّف العنف الحقيقي ونذهب الى الاعتراف والتبادل بيننا وبين هذا المستعمر الآخر.
كيف نواجه الخطاب الاستعماري بالتركيز على الهوية الجزائرية وذاكرتها وتاريخها الثقافي؟
فانون يعتقد بأنّ الذاكرة في أيّ قوم، هي مناعة تاريخية تمنعه من أن يسقط مائة في المائة ويذوب في المستعمر. فانون يعتقد أنّ الاستعمار هو سيطرة وليس هيمنة، يمكن أن يسيطر عليك الاستعمار قرنا ونصف، لكن لا يهيمن عليك، لأنّ الهيمنة أن يدخل في دواخلك، ويقول فانون ما الذي يمنع المستعمر من أن يذعن للمستعمر كليا، ويجيب بأنّها ذاكرته، خاصة الذاكرة الشعبية، ففانون اهتمّ كثيرا بالفلكلور، وبالثقافة الشعبية وهي التي منعت المجتمعات الافريقية والعربية والإسلامية والأسيوية، من أن تذوب في المستعمر وبيّن أنّ ثقافة المستعمر هي ثقافة بيضاء تريد أن تفرض نفسها على الشعوب الأخرى.