
قدّمت الشاعرة والناقدة السعودية دلال المالكي، أمس الأحد » بقاعة « الطاهر وطار » قراءة تاريخية، ربطت فيها نشأة السجالات الادبية باختلاف المرجعيات والروافد الثقافية واتساع التعليم والابتعاث والانفتاح على تجارب الآخرين، وبالدور الذي أدته الصحافة في نقلها من المجالس إلى المقالات والكتب والردود. وأوضحت أن الخلاف لم تغذّه الاختلافات النقدية وحدها، بل أيضا الغيرة الأدبية والتنافس على المكانة والاعتراف، وتباين الأجيال في تصوّر الشعر والإبداع.
واستحضرت المالكي أسماء عبد القدوس الأنصاري ومحمد حسن عواد وحمزة شحاتة في بدايات المشهد الثقافي السعودي الحديث، قبل أن تتوقّف عند المواجهة الأبرز التي رافقت ظهور الحداثة في ثمانينيات القرن الماضي، بين المحافظين والمدافعين عن التجديد، وبرز فيها سعد البازعي وسعيد السريحي ومحمد العلي ومحمد الثبيتي ومحمد جبر الحربي. وتصاعد الجدل مع تداول شريط سعيد الغامدي وصدور كتاب لعوض القرني، كما عكست سجالات النادي الثقافي بجدة وحادثة استضافة محمد الثبيتي حساسية استقبال التجارب الشعرية الجديدة. وفي التسعينيات انتقل جانب من السجال إلى الرواية، مع أعمال تركي الحمد، ثم رواية « بنات الرياض » لرجاء الصانع، لما أثارتاه من نقاش حول الجرأة والواقع الاجتماعي وحدود القبول.
ولفتت المالكي إلى أنّ المعارك الأدبية النسائية ظلّت أقلّ توثيقا، رغم تجارب فوزية أبو خالد وهدى الدغفق. كما رأت أن هذه السجالات تراجعت في العصر الرقمي، حيث حلت المنشورات والتعليقات السريعة محل النقاش الممتد، وأصبحت أعداد المتابعين والمشاهدات تؤثر في مسارها على حساب قوة الحجة وعمق الحوار. وشددت على ضرورة قراءة التجربة الأدبية في مجملها وعدم اختزال الكاتب في عمل أو موقف واحد.
واستغلت الدكتورة الجزائرية آمنة بلعلى، النقاش لاستعادة خصوصية المعارك الأدبية الجزائرية المرتبطة بالتعدد اللغوي وأسئلة الهوية والانتماء. وتوقفت عند الجدل الذي أثارته رواية مولود معمري « الهضبة المنسية »، المكتوبة بالفرنسية، وحصوله على جائزة فرنسية ثم رفضها، وما فتحه ذلك من نقاش حول اللغة والروح الوطنية. كما أشارت إلى الخلافات بين التيارات الثقافية بعد الاستقلال والرقابة على الكتابة، قبل أن تبرز القيود الاجتماعية التي واجهت الكاتبات ولجوء بعضهن إلى الأسماء المستعارة، ثم اتساع حضور المرأة منذ السبعينيات وتناميه في التسعينيات مع تجارب زينب الأعوج وربيعة جلطي وأحلام مستغانمي وفضيلة الفاروق.
وتقاطعت المداخلات عند أن قيمة المعارك الأدبية تكمن في قدرتها على تجديد الذائقة وفتح النصوص على قراءات متعددة، لا في تحويل الاختلاف إلى خصومة أو تصفية حسابات.