
سيلا.. فضاء لتأكيد الانسجام المجتمعي
شكّل وما يزال صالون الجزائر الدّولي للكتاب نظرة الدّولة الجزائرية نحو الثقافة والفنون، فهو مرجعيّة مهمّة لفهم المكانة التأسيسية للثّقافة في منظور الجزائر، وتعبيرٌ صريحٌ عن الوعي المشترك لممارسة المواطنة وتجلّيها في مختلف أبعادها بما فيها في الفضاء الثّقافي الجماهيري، ولعلّ هذا الموعد هو واجهةٌ للانسجام المجتمعي الجزائري المتأصّل، حيث يتجوّل الجزائريّون بكلّ أطيافهم وأفكارهم في المكان نفسه ويتبادلون الكثير من المودّة.
وفي كلّ سنة يترسّمُ كأهم حدثٍ ثقافي في البلاد، وهذا مؤشرٌ هامّ لفهم مكانة الكتاب لدى الجزائريين، حيثُ يتوافد الملايين من المدن الدّاخلية سعيا وراء العناوين التي تشغلهم أو تلفتهم.
إنّ فعل القراءة بالنسبة لنا فعل حرٌّ، لا يمكن أن يُحرس أو يراقب، وهو فعل حضاريٌّ، ومهما كان التوجه والنّوع القرائي، فهو خطوة نحو إعمال العقل ومسعى نحو الحكمة، وحين تتحوّل القراءة إلى احتفال كبير في صالون الجزائر الدّولي للكتاب، فإنّ هذا الحفل هو استكمالٌ لمجريات سنة كاملة من التحفيز على القراءة واستضافة فعالياتها، بإشراك النوادي والمشتغلين على الترويج للكتاب، من ناشرين ومؤلفين ومكتبيين، وبمساهمة كبيرة من مؤسسات وزارة الثقافة والفنون، وخاصّة مكتبات المطالعة العمومية، وبهذا التكافل المعرفي سيكون الكتاب في وضع أفضل كلّ سنة.
ليس صالون الكتاب الأجنحة التي تسوّق المعارف والثقافات والحكايات فقط، ولكنّه أيضا الفعاليات المصاحبة له، والتي تفتح أفق التلقي على جهات العالم، حيث يلتقي الكتاب والمبدعون ورجال العلم بالجمهور من مختلف التوجهات والفئات والأفكار، وحيث يصبحُ الحوار والنّقاشُ في مسائل القراءةِ والكتابةِ وصناعة الكتاب والجوائزِ وآفاق الإبداع وحدود التلقي جذوة الحدث، ويرتقي الجمهور مع صناع الكتاب إلى قيم المعرفة.
لقد سبق وأكّدنا في غير هذا المقام على اعتبارنا الكتاب العتبة الأولى للمعرفة وبوابة الثقافة، وما زلنا نصرّ أنّ أيّ نهضةٍ لأيّ مجتمعٍ لا تكُون خارجَ هذا الإطار المعرفيّ الجامع، ولكن علينا أن ننتبه إلى ضرورة التكيف مع تطوّرات عالم الكتاب، وأن نستوعِب النّشر وتحوّلاته وتحدياته الرقمية، وأن نلج هذا المحيط المتسارع بأذكى الطرق مواكبة لجمهور القراء من الجيل الجديد.
عوّد صالون الجزائر الدولي للكتاب جمهوره على الارتقاء في الفعاليات في كلّ طبعة، وعلى ضرب موعد للقراء مع أبرز الكتاب والمؤلفين وفتح المجال للكتاب الجدد واستضافة مبدعين من خارج البلاد، وفي هذه الطّبعة نحتفي بالضّيف الشّرفي مُمثلا في دولة موريتانيا الشّقيقة وبمحمولها الثقافي وتقاطعاته الساحرة مع الثقافة الجزائرية، وإذا كان علينا من واجب بعد الترحيب بهم في وطنهم، فإنّه منح ثقافة هذا البلد الساحر مساحة تليق به، والتعريف بإبداعات أهل موريتانيا، والاحتفاء بهم.
كلّ النجاح للطّبعة الثّامنة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، وتحت شعار “الكتاب ملتقى الثقافات” ترحب الجزائر بكلّ الثقافات الإنسانية.